RedPeace

"دعوها تحلق بسلام”: وسطية للتوعية على أهمية الطيور والحياة

لمناسبة اليوم العالمي للبيئة الذي يقوده برنامج الأمم المتحدة للبيئة، وبسبب الانتهاكات للطيور العابرة من قبل الصيادين، وعشوائية الصيد، قدّمت الفنانة والأكاديمية الطرابلسية رويدا الرافعي عملاً فنياً تحت عنوان "دعوها تحلق بسلام"،  هو نصب على شكل طائر، واختارت تثبيته في وسطية على تقاطع طرق في مدينتها طرابلس اللبنانية بطريقة تمكن آلاف العابرين يومياً من مشاهدته، وتَلَقُّف رسالته بضرورة الحفاظ على هذا الطير.

وللنصب معانٍ وأبعاد أخرى، فهو طيرٌ عابرٌ أولاً، وهو طائر الفينيق الذي يُعبِّر عن انبعاث لبناني أمام كل أزمة من أزماته الوجودية، وهو رمز لمقاومة الموت والقتل بالتركيز على أولوية الحياة.

الرافعي فنانة تشكيلية في الأساس من اهتمامها، ثم توسّعت إلى الأبحاث الأكاديمية والعلمية والفكرية، وتسعى إلى الربط بين مختلف المجالات الثقافية والفكرية والفنية، بالإضافة إلى نشاطها الفني والبيئي العام، هي عضو لجنة الحدائق والوسطيات في بلدية طرابلس، مما سهّل عليها إقامة الوسطية بالتعاون مع البلدية، وفاعليات فنية، وبيئية متنوعة.

ويُسَجّل للرافعي هبة النصب على نفقتها الخاصة، لكن الأهّم من ذلك الجهد الكبير الذي وضعته في تشكيل النصب، وجمعها لآلاف فراغات الخرطوش المستهلك في الصيد ، العشوائي، وجهد تلصيقها واحدة واحدة على النصب تكريساً للأبعاد والمعاني التي تريد.

النصب 

النصب شَكْل طائر ضخم، مصنوع من مواد مقويّة ومتماسكة، مغطاة بثلاثة آلاف من فراغات طلقات الصيد بعد استعمالها، كأنها ثلاثة ألف نداء لوقف الصيد العشوائي، تتخلّلها مواد تقنية باتت خارج الخدمة، ويُرَجّح أن تكون من بقايا معدات صوتية تُصدر أصواتاً جاذبة للطيور لتسهيل اصطيادها، يشير استخدامها إلى تسارع تآكل التقنيات الحديثة، وتساقطها كرمز عدوّ للحياة.

توضح الرافعي في حديث ل”ردبيس" مفهوم العمل الذي يقوم على تحويل بقايا الرصاص، التي ترمز إلى الصيد والموت، إلى طيور محلّقة ترمز إلى الحرية والحياة والسلام"، لاحِظةً  فيه "انتقالاً بصريّاً، ورمزيّاً من العنف إلى الأمل، ومن الفناء إلى الاستمرار، ومن أداةٍ تنهي الحياة إلى عمل فني يحتفي بها”.

تتوافق مبادرة الرافعي مع الاحتفاء السنوي باليوم العالمي للبيئة، وذلك بنظرها بهدف "تعزيز الوعي البيئي، وحماية الحياة البرية، وتشجيع الممارسات المستدامة، ويسلّط الضوء على أهمية إعادة التدوير وترشيد استهلاك الموارد"، وهو ما جسّدته بتوظيف مواد قابلة لإعادة الاستخدام، وتحويلها إلى عمل فنيّ، بنظرها "يحمل رسالة بيئية وإنسانية”، ذاكرةً إن الغاية الأساس هي "لفت الانتباه إلى قضية الصيد الجائر الذي يهدد الطيور المهاجرة ويؤثر سلباً في التوازن الطبيعي والتنوع البيولوجي".

الرافعي أوضحت إن الطائرٍ يستوحي عناصره من مجموعة من الطيور المهاجرة التي تعبر لبنان كل عام، في إشارة إلى أهمية حماية هذه الطيور والمحافظة على مسارات هجرتها، ودورها الحيوي في الطبيعة، وأرادت أن تحوّل رمز الموت المتمثل بالرصاص إلى رمز للحياة والتحليق. 

ورأت في الطيور "رسالة تدعو إلى حماية الطيور المهاجرة التي  تساهم في نشر البذور، تلقيح النباتات، ومكافحة الافات والحشرات التي تؤذي البيئة، مما يدعم استدامة النظم البيئية”.

من جهة ثانية، يستلهم المجسم،بنظرها، رمزية طائر الفينيق، الطائر الأسطوري الذي ينهض من الرماد، وفي رؤيتها فيه إنه "صورة تعكس تاريخ لبنان وقدرته الدائمة على النهوض رغم الأزمات والحروب، ليجسد الحرية والسلام والأمل بمستقبل أكثر أماناً وإشراقاً”.

رسالة 

يحتل النصب نقطة هامة على تقاطع عدة طرق داخلية، يعبر قربها الطريق الدولي العام، واختير الموقع بعناية لكي يلفت نظر مارة لا تتوقف سياراتهم عن العبور قرب النصب، وهي، كما قالت، رسالة موجّهة إلى كافة شرائح المجتمع بهدف نشر الوعي وإثارة النقاش حول القضايا البيئية والإنسانية.

كما أن توجيه الرسالة من قلب المدينة يساهم في وصولها إلى شريحة واسعة من المجتمع، فغالبية أبناء طرابلس يقصدون خلال فصل الصيف المناطق الجبلية والطبيعية في إهدن والضنية وعكار وغيرها من المناطق التي تعبرها الطيور المهاجرة وتُمارس فيها أنشطة الصيد، فترافق الرسالة الناس إلى الأماكن التي يزورونها وتمارس فيها هذه الأنشطة.

‎والعمل بمعانيه، وإيحاءاته، ورمزيته لن يغير سلوك جميع الصيادين، كما قالت الرافعي، لكنه يساهم في بناء رأي عام أكثر وعياً بقيمة الطيور ودورها في التوازن البيئي، ويشجع الأجيال الجديدة على احترام الطبيعة وحمايتها، مؤكّدة إن "هدفي ليس إدانة أحد، بل الدعوة إلى ثقافة تحترم الحياة والطبيعة".

الرافعي

الرافعي أكاديمية وباحثة لبنانية،  وفنانة تشكيلية، حاصلة على دكتوراه في الفن وعلوم الفن، وماستر 2 بحثية، وماستر 1 في فن الجداريات، إضافة إلى دبلوم في الرسم والتصوير من الجامعة اللبنانية.

تشغل منصب أستاذة في ملاك الجامعة اللبنانية، وقد تولّت سابقاً رئاسة قسم الفنون التشكيلية، كما أنها عضو في الهيئة الإدارية لجمعية الفنانين اللبنانيين للرسم والنحت، وناشطة في المجالات الثقافية والاجتماعية.

إلى جانب ممارستها الفنية، تُعنى بالبحث العلمي والفكري، ولها العديد من الدراسات والإصدارات التي تتناول الفن وعلاقته بالواقع السياسي والاجتماعي والبيئي المعاش، انطلاقاً من إيمانها بأن الفن ليس معزولاً عن قضايا المجتمع وتحولاته.

ومن أحدث إصداراتها الموسوعة المصغرة "الواقع السياسي في المشرق العربي"، الصادرة عن مؤسسة شاعر الفيحاء سابا زريق الثقافية، والتي تندرج ضمن اهتماماتها البحثية في مقاربة التفاعل بين الثقافة والفن والواقع المعاصر.

وتسعى من خلال أعمالها الفنية وأبحاثها إلى توظيف الفن كوسيلة للتعبير والتوعية والحوار، وربط الإبداع الفني بالقضايا الإنسانية والبيئية والثقافية التي تلامس حياة الناس ومجتمعاتهم.

الكلمات الدالة

معرض الصور