RedPeace

الاتحاد العربي للمرأة المتخصصة: تحديات الأسرة زمن الرقمنة

تساؤلات كثيرة ارتفعت بوتائر متصاعدة مع قدوم الحداثة، وحلولها مكان التقاليد الثقافية والفكرية والاجتماعية التي خبرتها المجتمعات، واكتنزتها عبر سيرورتها التاريخية، فمع انتشار الحركات الاستعمارية الغربية للشعوب والمجتمعات، حملت هذه الحركات الكثير من القيم، والدعوات، والأفكار البرّاقة، لتحلّ محل قريناتها التقليديات، فتدفع بها جانباً لما رافقها من بريق، وبهرجة، وإطارات جاذبة.

عنوان هذه الحركات لخصه المفهوم الذي عُرِف ب"الحداثة" في هجوم كاسح طاول مختلف مرافق الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والانتاجية والقيمية والثقافات والفنون والصحة.. لم يبقَ حيّزٌ واحد لم تضع الحداثة له بديلاً، وعلى سبيل المثال الضيّق، حلّت وسائل الإعلام الحديث من راديو وتلفزيون وانترنت، تباعاً، محل الدراسة الورقية، والمطالعة، وباتت الثقافة العامة مفتوحة على ماقدمته الشاشات، الكبير منها في السينما، والمتوسط في التلفزيون، والصغير بالهاتف النقّال.

ومما لا شك فيه أن التطورات على هذا المستوى كانت متسارعة باطّراد، فبينما أدخلت السينما بعض القيم الجديدة في إطار جاذب، وفي أوقات مختارة يضبط الانسان قرارها، جاء التلفزيون حاملاً نوعاً من الغزو الثقافي والقيمي، المفروض على المنازل، وفيها، فأسّس وفوده لحلول شكل جديد للحياة، بدأ بالتدريج يحلّ محل السائد، وفي ظرف عقود قليلة انتقلت المجتمعات إلى زمن مفاهيم، ومسالك، وقيم أخرى.

ثم جاء الانترنت ومعه الحاسوب، فبدأت مرحلة أكثر تسارعاً، ليحل الجوّال وبرامج السوشيال ميديا بنوع من حالة الصرع لشدة تسارعها، ولتشمل كل مرافق الحياة، وتحل محل كل ما كان سائداً، وكأن السينما والتلفزيون كانا مرحلة تمهيدية فتحت الطريق للتقنيات الحديثة وآخرها الذكاء الاصطناعي.

مخاطر كثيرة، غير بريئة ولا عفوية، نجمت عن انتشار الذكاء الاصطناعي بصورة سريعة لم تستطع المجتمعات إدراك مخاطرها، وأضرارها، وأذاها، لكنها بدأت تتضح لها هذه الأضرار، ولذلك تتعالى أصوات تنبّه الناس على هذه المخاطر، في ظل غياب أي دور للسلطات نظراً لارتباطها السياسي، والوجودي، بمركز قرار صانعي الذكاء الاصطناعي" الأكثر انتشاراً عالمياً حتى الآن، أي "الولايات المتحدة الأميركية".  

ينبّه “الاتحاد العربي للمرأة المتخصصة” لمخاطر الحداثة على الأسرة، مجال المرأة الأساس، عندما انهمك الرجل في العمل خارج إطار المنزل، فنظم الاتحاد ندوة توعوية بعنوان: “ثقافة التواصل الرقمي، تحديات تواجه الأسرة في زمن السوشيل ميديا” في "الرابطة الثقافية" في طرابلس، عاصمة لبنان الثانية.

الدافع للندوة، بحسب رئيسة الاتحاد ناريمان الجمل غانم في حديث ل"ردبيس"، "الحالة المرضية التي أصابت العائلة ككل، من الأب والأم والأبناء المتمثلة بالتعلق بالهاتف، والادمان اليومي على متابعة وسائل التواصل الاجتماعي"، مضيفة إن "استعمال الذكاء الاصطناعي مهم إذا لم ندعه يستعملنا وانسقنا اليه دون تَدَخُّلٍ فَطِنٍ منا".

ورأت غانم إنه ما قبل الرقمنة كان الانسان يعتمد على ذكائه الفطري، فكان المجتمع وسيلة التعلُّم بالإضافة إلى الطبيعة التي تحيط به؛ أما الانسان الرقمي فقد اندمج مع الآلة التي أتاحت له كل شيء بسرعة رهيبة ودقة عالية"، مضيفةً إنه "لكل جديد أضرار ومنافع، لكنّ المهم أن ندرك الخيط الرفيع الذي يفصلنا بين التحكم به بدلًا من التحكم بنا، والمواكبة الدقيقة العلمية المتخصصة هي التي تعمل على التوجيه الصحيح والسليم ان كان في المدارس او البيوت او في مراكز العمل”. 

ورأت ضرورة التوجيه الذي يبدأ من البيت لينطلق إلى العالم الخارجي، المدارس، والجامعات، ومراكز العمل والأبحاث، داعية الأهل لعدم إهمال علاقة الولد بالشاشة، لأن الأمراض النفسية الناجمة عنها تخلق إشكالات مجتمعية تضرب حياة الطفل بشكل مباشر".
ولأن العلم، بنظرها، بحره واسع، والمنع والقمع لا يدخلان في باب التوعية، ف"علينا وضع أسس لكيفية الاستفادة من هذا التطور والتغيير”، كما قالت.

وناشدت الأم أن "تراقب وتتابع أبناءها، وأن تعمل على الوعي والنصح بكيفية الاستعمال الصحيح للتكنولوجيا، وأن تزرع فيهم القيم والمبادىء التي تحميهم من الآفات والمخاطر التكنولوجية". 

ثم تحدثت عن دور الاتحاد فقالت إن "شعارنا شركاء لا فرقاء مع الرجل، ومن هذا المنطلق، نعمل على تمكين المرأة وتوجيه الأسرة، فكما نتوقع من المرأة الكثير من المهام وتمكينها في مواقع القرار، إلا اننا لا ننسى أهمية دورها في البيت الذي منه يبدأ بناء الوطن والمجتمع”.

الندوة

في عودة للندوة، فقد شارك فيها أخصائيون من جوانب مختلفة، فتناولت الدكتورة رشا تدمري المتخصصة في علم النفس، الأثر النفسي لاستخدام الشاشات على العلاقات الأسريّة، وأضاءت  التواصل الرقمي، وكيف يمكن، عندما يتحوّل إلى بديل عن الحوار والتفاعل المباشر، أن يُضعف الترابط العاطفي بين أفراد الأسرة.

وتناول الدكتور علي الشيخ الاستاذ المحاضر في الحديث الشريف، الشق الأخلاقي والديني الذي تُبنى عليه أسس التربية السليمة حيث المشاكل التي يتعرض لها الشباب في زمن التواصل الرقمي.

وتحدثت الدكتورة  لبنى عطوي المتخصصة في علم الاجتماع عن "العلاقة الأسرية في ظل الرقمنة: الرهانات وآليات المواجهة"، تناولت التحولات التي عرفتها الأسرة المعاصرة بفعل الرقمنة، من حيث التغيرات الوظيفية وأنماط التواصل والتطبيع الاجتماعي.

وسلّطت الضوء على مخاطر الرقمنة على الأطفال والمراهقين وعلى العلاقة الزوجية،وطرحت استراتيجيات مواجهة ترتكز على الوعي، والتقنين، وتعزيز التواصل الأسري.


الكلمات الدالة

معرض الصور