تقسو الظروف، وتشتد وطأتها، ويعمّ الخراب والدمار، وتطغى الوحشية على ما عداها، لكن الانسان يلجأ للحبّ، كلٌّ بنظرته ومفهومه، إصراراً طبيعياً على استمرار الحياة، وملجأً مريحاً لطمأنينة النفس، تعزيزاً للصمود، وصراع البقاء.
ففي الوقت الذي يتدمر فيه الجنوب اللبناني، بحجره، وبشره، ويمسح المغتصب كل بناه بالأرض، يحمل ابن الجنوب- تحديداً ابن الخيام المدمرة ورأس حربة مقاومة الاحتلال- الفنان محمد العبدالله ما رسمه أملاً بالحياة، وبالأفضل، وقدّمه في معرض في غاليري "جاه" في كليمنصو في بيروت، تحت عنوان “Kama تحب sutra”.
استوحى عبدالله فكرة "الكاماسوترا" التي تبعث الاطمئنان في ما توحي إليه من ممارسة الحب، واتّخذها ردة فعل على الوحشية والدمار التي يتعرض لها بلده، وبات يقض مضاجع العالم بأكمله.
“معرضي هو ردّة فعل على الوحشية الجارية من قتل ودمار"، يقول عبدالله ل"ردبيس"، مضيفاً إن ما أراد قوله في الأعمال كان ردّ فعل على ما يجري من دمار وخراب وقتل، ف"عندما أسمع ما يتوارد من أخبار، أشعر بكآبة وحزن كبيرين، ولجأت إلى الفن كردّ فعل على الوحشية، وكم كنت مسروراً وأنا أرسم وأُخرج ما في داخلي من خلال اللوحة".
وكما يعيش الفنان حالة نقيضة لبشاعة الواقع، كذلك يمكن للمشاهد، ومتذوّق الفنون أن يشعر بالارتياح كردّ فعل على بشاعة الواقع، فالفن عموماً، بنظر عبدالله، "حالة نفسية تعبر عن مكتنزات الذات من ضغوط وتأزم، يضعها الفنان في اللوحة بهدف إحداث حال من الارتياح عندما ينظر المشاهد في اللوحة”.
حاول الفنان اختزال مشاهد "الكاماسوترا"، ومعانيها، ليخرج معرضه، بعد أن جرّد اللوحات قدر المستطاع، على ما يقول، متابعاً إنه حاول الاكتفاء بالإيحاء بعرض مقصده.
ينظر العبدالله ل"الكاماسوترا" على إنها فن ممارسة الحبّ، والبعض يرى فيها فن ممارسة الجنس، ولكلّ إنسان تفسيره، أما أنا، كما يقول، فقد "اخترت اللعب على الالفاظ، ووجدت فيها حبّاً آخر وهو "حب السترة"، فهناك من يحب أن يقوم بأعماله، ومنها ممارسة الحب، بطريقة "السترة"، وآخرون بطريقة مكشوفة، واضحة".
ولمزيد من الوضوح يقول إنه ركز على الجانب الذي يراعي الإخفاء، و"جربت أن أجرّد الأعمال وأحمّلها رمزية الفكرة، فهناك لوحات تتضمن مشهد ممارسة الحب كما هو ظاهر، وهناك أخرى هادئة، وأخرى نصف هادئة، وهكذا"، كما قال.
ويختزل مفهومه بقوله إنه حاول "اختزال المعاني تاركاً للمشاهد استخلاص ما يريد وفق مخيلته".
الأعمال
غالبية اللوحات بلا عناوين، تشي بالالتقاء إيحاءً، أو إماءاً، ومنها ما يحتاج لتمعنّ لتكوين الفكرة المتضمنة في اللوحة؛ أحياناً تظهر اللوحة على شكل فراشة، أو عصفور، فلا تستبطن معنى اللقاء والحب؛ وأحياناً فاقعة في مناشدة الوصال؛ لكن الغالبية منها إيحائية، بألوان شفافة، وأشكال متداخلة غير واضحة، مع بعض خطوط رفيعة، توضيحية للموقف، ولولاها لما اتّخذت اللوحة المعنى الكامن فيها، ولذلك يصحّ القول فيها إنها "حب بالسترة".
بين الأعمال لوحتان جمعت كل منهما عشرات الرسوم التصويرية لمواقف مختلفة عن الحب واللقاء، بطرق إيحائية قد لا يتسطيع المشاهد التحقّق منها لولا معرفته بالعنوان.
برع الفنان بالجمع بين التجريد، والإيحاء والإماء، محقِّقاً غايته في نقل المشاهد من الوحشية والعنف، إلى أجواء من الاسترخاء، والطمأنينة، فاتحاً الأفق على أمل من نوع آخر.
الفنان
محمد العبدالله فنان مواليد 1967، من الخيام الجنوبية، نال الإجازة في الفنون الجميلة من معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية يوم كان المعهد لا يزال على الروشة في بيروت، وذلك سنة 1990.
معارضه الفردية تناهز الثلاثة عشر معرضاً في لبنان والخارج، أقامها بين أعوام 1998 و2023، وله مشاركات عديدة ابتداء من أوائل التسعينات، في لبنان والخارج، منها في باريس، كذلك معرض "الشباب" للمنظمة العربية للثقافة والفنون التشكيلية في ساحل العاج في أفريقيا، ومعرض السلام لليونيسيف، وأجْدَدها معرض بيروت للفنون الجميلة سنة 2019.
الكلمات الدالة
6 مشاهدة
14 يوليو, 2026
6 مشاهدة
14 يوليو, 2026
6 مشاهدة
14 يوليو, 2026