سنون طويلة مرّت على بسام شكر وهو مُقعد، لكنّ ذلك لم يؤثر على مساره الحياتي، فظلّ يوظّف طاقات احتفظ بها للصمود في عالمه المليء بالتحديات، وقد أعانه على صموده واستمراره شغف فني رافقه منذ الطفولة، ونمّاه وطوّره في الظروف المختلفة التي مرّ بها.
أصبح بسام شكر مقعداً منذ بدأت إصابته بشلل طاول جهته اليمنى، فدفعه وعيه المتقدم للاستعداد لمجهول ينتظره، فقصد محترف الفنان حيدر الحموي في بيروت، على مقربة من المنزل الذي كان يسكنه قريباً من "البريستول"، وبدأ يتدرب على يده في الرسم، والفنون التشكيلية المُتَّصلة.
بسام شَكَر (1960) تخرّج بالهندسة المدنية في الولايات المتحدة الاميركية (1985)، وفي فترة البحث عن العمل، بدأ يشعر بمشكلة حركيّة تطاول يمناه، ولم يكن الطبّ قد تطوّر لمعرفة نوعية إصابته، التي تبيّن لاحقاً إنها نوع من "التصلب اللويحي".
مراحل عديدة مرّ بها شكر قبل أن يختار القعود الدائم في منزله الحجري الهاديء المستقر بين أشجار الزيتون والجوز في بلدته "قبولا" العكاريّة، أقاصي الشمال اللبناني، وبات حالياً ملازماً لكرسيّه النقّال، مُتّكلاً على شغفه الفني للصمود، ومواجهة تداعيات المرض.
كما إنه يمارس فنّه لغاية واحدة هي التسلية، والتعبير عن الذات، وملء الفراغ الذي يعيش، وهمّه إنجاز لوحة تلو لوحة فبرأيه، كما قال ل"ردبيس": “أعتبر أي لوحة تخرج من تحت يدي إنجازاً".
ثم يتناول شَكَر تطوراته في الرسم، ذاكراً إنه ابتدأ (الرسم) منذ طفولته، وقبل معرفته الكتابة والقراءة، ويتحدث ضارباً عرض الحائط بحالته الصحية، قائلاً: "لا أعتقد إنني المعاق الوحيد، لكنني بالتأكيد أكافح من أجل الاستمرار".
لم يرسم شَكَر ليبيع أعماله، ولا ليقيم معارض، كما قال، لذلك وقّع أعماله باسمه لكن دون تواريخ، مضيفاً إن همّه كان تعبئة فراغه بما يفرحه، ويمضي به وقته دون إجهاد قد تفرضه عليه مهنة أخرى.
تعايش مع الريشة التي تكتظ أصنافٌ عديدة منها حجماً وأشكالاً، مع صنوف أصابع التلاوين، في مستوعب على الجهة اليسرى من مقعده، لكي تكون بمتناول اليد التي يستطيع تحريكها للرسم وقد فقد القدرة على تحريك يده اليمنى بالكامل.
شغف شَكَر الفنيّ كان عاملاً لمواجهة استعصائه الصحيّ، ما دفعه للتوسّع في ثقافته الفنية، واطّلاعه على الفنون خارج إطار منزله، ومنه نحو العالم، فأُعجب بتقنيات ومدارس الفن المختلفة، خصوصاً الانطباعيّة، والتعبيريّة، والبورتريه، وإن "فانسنت فان كوخ كان أكثر من تأثر به، إضافة إلى انطباعيي عصر النهضة مثل مونيه، وسيزان، ثمّ أُعجِب بأسلوب وألوان ديفيد هوكني الجريئة”، كما قال.
وتوسَّع اهتمام شَكَر ببقية فنون الرسم، فطبّقها في أعماله، كما رسم البورتريه لشخصيات مختلفة، لكن أبقى الأعزّ على قلبه معلَّقاً على جدار صالته، بمواجهته مباشرة، وهي بورتريه أمه التي ليس مثلها من يمكن أن يؤنسَه في مختلف الظروف.
رسم شَكَر العديد من الأعمال، من أحجام مختلفة، وقد يندهش زائره من لوحاته الكثيرة، والمتنوّعة المشارب، والأحجام، ويتساءل كيف يمكن لمن لا يتمتع بطاقةٍ تامة أن ينتج كل هذه الأعمال الفنية، خصوصاً منها اللوحات التي تناهز الجداريات حجماً.
ومن الواضح أن الفنان اعتمد رسم كل ما يلفت نظره، من مقتنيات منزلية، أو زهور في حديقته، أو أشجار، أو معدّات عفا الزمن عنها كمصابيح منزلية، أو موقدة التدفئة، كما رسم شوارع بلدته، ومنازلها الحجر القرميد، وسيّدات سينما الزمن الجميل، والغابة، والبحر، والشراع، ولوحة حديثة تعبر عن سيدة على البار استلهاماً لمشهد لاحظه عبر وسائل التواصل الاجتماعي (وكانت لوحته الأولى بيده اليسار)، واعتمد التعبيرية الحديثة في عدد من الأعمال، فرسم بها ما يفرحه من محيطه، مستخدماً أكثر الأحيان الألوان الزاهية، والمفرحة تأكيداً على حبّه، وأمله في الحياة رغم الصعوبة الجسدية.
وفي خطوة غير منتظرة، بادر "نادي بينو الثقافي" لإقامة معرض فني لأعماله صيف 2024، وكانت خطوة مشجعة له، فتحت له آفاقاً جديدة، شجعته على متابعة الرسم، وتطوير قدراته، ومعارفه الفنية خصوصاً لما تلقاه من ثناء على قدرته الفنية، وخبرته التي لامست حدّ الاحتراف، ولم تعد مقتصرة على الهواية الشخصية المنعزلة.
يعلق الفنان شَكَر على تجربة المعرض الأول له إنه "رسالة لكل إنسان، خصوصاً أصحاب الحالات الخاصة، أن لا تدع إعاقتك تحدِّد هويتك.. تحرّك إلى الأمام".
يقيم شَكَر علاقات اتصال واسعة مع العديد من المعارف، والأصدقاء الذين يتواصلون معه عبر الهاتف النقّال، مما يكسر رتابته اليومية، ويحادث المتصلين به، متشاركاً معهم قصصهم، وحكاياتهم، وأمورهم المتنوعة، وأمله أن يتابع فنّه بانتظار مناسبة ثانية لإقامة معرض لأعمال جديدة من التي تخرج تلقائياً من بين يديه عندما يتابع ممارسة يومياته المفضلة على قلبه بالريشة واللون.
بسام شكر: غارقاً في لوحاته لا يبالي همّاً ولا إعاقة
الكلمات الدالة
9 مشاهدة
20 مايو, 2026
21 مشاهدة
07 مايو, 2026
128 مشاهدة
19 مارس, 2026