تتطور الفنون زمن الرخاء والرفاهية والسلام، ويعتقد كثيرون ان لا مكان للفنون في زمن الحروب، بينما يجد آخرون في الفنون مجالاً ضد الحرب، ومؤثراتها على الانسان.
بهذا المفهوم، أقام غاليري "أرت ديستريكت" في الجميزة في بيروت معرضاً جامعاً لعدد من الفنانين اللبنانيين والعرب، تحت عنوان "أصداء السلام".
بعض الفنانين المشاركين في المعرض، ربط بين ضرورة الفن للتعبير عن الحرب، ومنهم من يميل إلى الاكتفاء بما خلّفته الحروب من مآسٍ باتت تستدعي التوجه نحو التعبير الجميل بالفن.
من المشاركين، الفنان السوري بديع جحجاح، الذي يعتقد أن الفن "شكل من أشكال المقاومة"، وبنظره، هو مرآة الشعوب، وبه يمكن تحديد موقف مهم لكي نحكي من خلاله كيف يجب أن لا يتوقف".
ويقول إن "الفن مرآة معينة للذات الانسانية، إن كانت في حال الوجع، أم الفرح"، منتقلاً إلى الحديث عن الدراويش الذين يكاد يعتنق مفهومهم ورؤاهم، رابطاً بين ما نشهده من حروب، وما خسره المشرق من طاقة روحانية عالية، ف"عندما نتحدث عن الدراويش، نحكي عن الأحوال، ونذكر بأن المشرق فيه طاقة روحانية عالية، واليوم دهورته المادة والعولمة، وطمس الهوية الخاص به بمسميّات الحداثة، الغريبة عنّا تماماً".
ويرى إن الحداثة – التي تنتج الحروب – هي المُساهِمة في نقص هذا التدفق الروحاني والانساني والعاطفي والدافيء جداً"، مقرناً حركة الدراويش بذلك الدفء، معتقداً إن "الدراويش بطوافهم دائماً، كانوا يذكرون أن الأنسنة قيمة عظيمة، وبالتالي تساعد الانسان على التخلي عن الوحش الذي دَخَلَنا من خلال القيم الفكرية والثقافية، في نوع من المقاومة، لكي يستطيع الانسان الاستمرار في الحياة.
جحجاح فنان ومصمم غرافيك (1973) من جبلة في سوريا. حاصل على بكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة دمشق. يركز في فنه على الروحانية، ولا سيما رمزية الدراويش وفتلتهم، مستلهماً التقاليد الصوفية القديمة، ومستخدماً الفن كوسيلة لاستكشاف رحلة الروح، وتعقيدات التجربة الداخلية، والبحث عن التنوير.
له مجموعة معارض مشتركة وإفرادية بين 2010 و2023، أقامها في لبنان وإيطاليا واليونان ودبي، وبلده سوريا.
من المشاركين أيضاً، ريما الشاعر، فنانة لبنانية تمارس الفن منذ أكثر من خمسين سنة، كما قالت، وكان عليّ أن أعبّر بالفن عن تداعيات الحروب، ف "للفن دور هام في كل الأزمنة، ومنها في زمن الشدة، والحروب، ويشكل الفن مخرجاً للتعبير عما نعيشه في الحرب، فالنسبة العالية من اوقاتي شهدتها في الحروب المتتالية، وفي كل حرب، كان عندي عمل للتعبير عن الغضب تجاهها”.
بعد معاناة طويلة، تشعر الشاعر بميل نحو السلام، والفرح، وتقول: "بت أحب التعبير عن أشياء جميلة كأنها استدراك لما فاتنا من جمال في الحياة، وأميل إلى الطبيعة لأرسم ما أراه حلواً، وأشرك الناس به. آخر لوحاتي هي "زهر الرمان" مستوحاة من تساقط زهر الرمان في ضيعتي، ومن الآن وصاعداً سأبحث عما هو جميل لأن ليس للفن دور عملاني في إيقاف الحروب”.
الشاعر فنانة متعددة الوسائط ملتزمة، تحمل شهادات في الفنون الجميلة، والتصميم الداخلي، وعملت في مجالات التصوير والنحت والرسم التجريدي. عرضت بعض لوحاتها في معارض فردية وجماعية في بيروت.
الفنان اللبناني علي شمس الدين يرى أن "الفن تاريخياً منقسمٌ على نفسه باعتباره تجليّا ثقافيا للواقع الاجتماعي وتنوعاته الفكرية التي تعكس مدى تأثر الفنان، أو عدم تأثره، بما يحيط به من قضايا وأحداث على المستوى الإنساني في حالتي الحرب والسلم”.
ويمضي شمس الدين شارحاً رؤيته لإشكالية الحرب والفن، فيقسم الفنانين قسمين، الأول، "من يعتبر أن الفن هو تعبير عن الذات الفردية، ومزاجها الشخصي وانشغالاتها الوجودية، أو آخر يبحث عن العلاقات الجمالية في الطبيعة واللون والأشكال المجردة …..الخ، همه الأول أن يقدم عملًا بصريا جميلا منعزلا عن ما يحيط به من أحداث في زمن الحرب والسلم. هؤلاء الفنانون ينتمون إلى مدرسة فكرية تعتبر أن الفن ( تشكيل، موسيقى، أدب …الخ) حالة فكرية تتجاوز تأثيرات الواقع المحيط وتنشغل فقط بالجماليات.
وهناك، الثاني، من يعتبر أن الفن بكل أنواعه، يجب أن يكون تجليّا لموقف الفنان المتماهي مع ما يحيط به من أحداث وتحوّلات تاريخية واجتماعية وإنسانية. وبما أنه على المستوى الفردي والجمعي جزء من هذه التحولات، ومعني بها، عليه أن يقول كلمته، ويعبر عن موقفه، رافضا كان، أو مؤيدا.
من الطبيعي أن يكون هذا التناقض في الموقف من الفن موجودا، لأن الفن بطبيعته مرآة لتركيبة المجتمع الإقتصادية، الطبقية، السياسية، وبالتالي الثقافية. لذلك لا نستطيع أن نحدد للفنان ماذا يجب إن يكون، ولأي مدرسة يجب أن ينتمي، طالما أن منتجه الإبداعي يحترم المعايير الفنية والنقدية. أما الإختلاف معه حول موضوع العمل الفني المحايد في زمن الحرب، فهو ناتج في الأساس عن الإختلاف معه حول الإنتماء الفكري والثقافي السابق على العمل الفني.
عن موقفه الشخصي كفنان أزاء الحروب، يبدو شمس الدين شديد الالتزام بالتعبير عن الحروب وتداعياتها بالفنون، فبالنسبة لي، يقول، "إن آخر معرضين فرديين أقمتهما( واحد في 2022-2023 وكانا بعنوان “اللامكان والزمن المفقود”، وآخر في 2025بعنوان “ضوء في ظلال الخراب) كانا عن المأساة الانسانية المستمرة في المنطقة العربية وفي القلب منها فلسطين. ليس لأنني قررت أن أفعل ذلك كواجب وطني انساني مطلوب مني، أو لأنني أردت أن أسجل موقفا. ولكن ببساطة، لم يكن عقلي يفكر في أي شيء آخر، سوى في هذا الدم المسفوك لأطفال غزة ولبنان، وفي هذا الظلم المتوحش المتمادي الذي يقع على شعوب المنطقة، وبالتالي لم أستطع أن أرسم أي شيء آخر.
أما إذا كان للفن أن يلعب دورًا في الحرب، وإذا اعتبرنا أن الفنان هو من شريحة المثقفين، أو هكذا يجب أن يكون، فإني أحيل هذا السؤال إلى قصيدة “عابرون في كلام عابر” لمحمود درويش، وإلى لوحة “ الغرنيكا“ لبيكاسو، ولوحة “الثالث من مايو” للفنان الاسباني فرنسيسكو غويا، في مجال الفن التشكيلي، وقيمتهما الفنية والانسانية على مر التاريخ، يختم كلامه.
شمس الدين (1955)- من عربصاليم جنوب لبنان، خريج معهد الفنون الجميلة-لبنان-الفرع الأول عام 1982، وعضو نقابة الفنانين التشكيليين اللبنانيين، وجمعية الفنانين اللبنانيين للرسم والنحت، شارك في العديد من المعارض التشكيلية التي أقيمت في لبنان والكويت والسعودية آخرها عام 2023 في بيروت بعنوان " اللامكان والزمن المفقود"، ومساهمات متنوعة على مختلف الصعد الفنية.
كما شارك فنانون آخرون بالمعرض، هم رنا بستاني، وجمال عالية، وأنطوان مطر، ودنيس جولي، والمصور ماهر العطار-مؤسس الغاليري.
الكلمات الدالة
15 مشاهدة
19 مارس, 2026
28 مشاهدة
10 مارس, 2026
112 مشاهدة
02 فبراير, 2026