المعرض الإفرادي الأول "ظلال وملاجيء" للفنانة اللبنانية ديانا بو سلمان، احترافية نشوء، واندفاعة صعود، ومغامرة في تحدٍّ فنيّ نادر لأنها اندمجت في فنّها مع الخزفيات، تعبّر بواسطته عن تأمّلات تحتاج للكثير من المرونة، والمطاوعة، بمادة صلبة، قاسية غير مطواعة بطبيعتها.
المعرض يستضيفه غاليري "جانين ربيز" في بيروت الذي يكاد يعتبر ظهور الفنانة في جرأة اختيار خزفياتها، ثمرة من ثمار معرض جامع اقامه منذ أكثر من عامين، وشاركت الفنانة فيه ببعض أعمال لفتت أنظار المهتمين بالفنون التشكيلية، ومنها النحت، رغم أن النصوب الخزفية التي تنتمي لهذا المضمار، هي تركيب هويته أشبه بالنحتي، لكنه ليس نحتياً بالمعنى الحرفي للكلمة.
طموح الفنانة الناشئة أن تقدم جديداً في مضمار الفنون، مستلهمة عناصر بلادها، ووطنها، وهي المولودة في فرنسا، لكنها عاشت ككل لبناني، في المهجر والوطن على وعي لبناني أن الجبل ملتصق بالسهل، ومتلامس للبحر ما يجمع الوعي الثلاثي الأبعاد لوطن قوامه جبل ومدينة وبحر.
ثلاثية أبعاد شكلت ركيزة مفهوم وطن حياته مشوار، وعصرونية، وجلسة على فنجان القهوة، جعلت كل مهاجريه في حنين دائم للعودة إلى ما فقدوه في المهاجر.
بو سلمان أرادت تكريس هذه الثلاثية في انتقائية أشبه ما تكون بالمؤلمة، فاختارت منها عنصر الهشاشة التي تعتريها ليس لأن طبيعة البلاد هي هشّة، بقدر ما أن الهشاشة ضربت البلد بتطوراته الدراماتيكية اللامتهاودة، فجعلت جمالاته متشوّهة، وعناصره تفتقد البريق الذي افترضته حياته عبر السنين.
في مقاربة لما تقدمه على هذا الخط، يمكن قراءة المشهد المترائي للفنانة في خزفيات بيروتية الطابع، في الأبنية المتآكلة بفوضى التهجير، والحروب، وهي المتخصصة بالشأن المعماري كونها متخرجة بالهندسة المعمارية، فلا يسعها إلّا أن ترفض الهشاشة التي بلغتها الكثير من أبنيتها، فتشوّهت بالممارسات الخالية من الذوق، والعشوائية الناجمة عن حاجة آنية، طارئة، وملحّة.
مجموعة "ظلال وملاجيء" يجدها المشاهد في خزفيات أبنية متهالكة، هي بقايا أبنية على ما يظهر في عرضها، فقد تحوّلت من أبنية فارهة، إلى ظلال أبنية، أو خيالاتها، استطاعت فيها الفنانة تطويع المادة القاسية، غير المطواعة، لتعبّر ببراعة عن فكرة، ورؤية حسيّة.
جديد خزفياتها كفكرة إنها أشكال صغيرة الحجم، حوّلت كلا منها لوحة صغيرة، عُلِّقت على الجدران بأبعاد ثلاثية، فجمعت بين اللوحة التكشيلية، والنحت التركيبي المعلّق، كأنها صور عائلية متبلورة بإطار منتقىً ببراعة لونية وشكلية ونوعية مادية، تُعلق على الجدران تخليداً لذكرى لحظات حميمة، في تجربة خزفية مطلقة قلّما ظهرت في غاليريهات المدينة.
أشبعت الفنانة مدينتها بمواصفات بنيانيّة نقديّة الحسّ، والتأمّل، وربطتها بأبعاد جبلية عبر أعمال خزفية، منها أشباه مناظر جبلية، تلال وأشجار، ومنها عناصر حياة كالقطط، مستلهمة الهرّة النائمة على سجادة، وهي تنعم بدفء ريفي، ومنها الماعز كقطيع مصنوع من الخزف والزجاجيات المبعثرة، دون أن تتردّد في طلائها بالحبر الأسود الصيني، إذا دعت الحاجة، تُضاف إليها جِراء تتلاعب فيما بينها بلطف، اختارت لها الأسود لتظهير معالمها وانفعالاتها.
وبين عنصري المدينة والجبل، اختارت الفنانة عملاً تشكيلياً أشبه باللوحة لكنه بحر من الخزف، ممزوجة بفضلات زجاج متكسرة، في بانوراما متطاولة خلافاً لبقية الأشكال الخزفية التي اعتمدتها كقطعٍ صغيرة، ومتناثرة، ومنمنمة، وبذلك، جمعت عناصر بلادها المفترضة الثلاث: جبل ومدينة وساحل.
من منازل بلادها اختارت ما ترامى إلى مشاعرها من قطع تلامس القلب، فنجان، وركوة، وخزانة تقليدية، وعلبة ضيافة، وكرسيّ من قشّ، و"بابوج" منزلي من خشب غاب عن الاستعمال، حتى فتيلة إبعاد الحشرات حضرت بين الصغير من خزفياتها الدقيقة.
بين رؤيتها البصرية، ورؤياها التأملية، يمكن وصف أناملها بالرشيقة المطواعة التي استطاعت التعبير ببراعة فنية، وتحدٍّ لافت، جامعةً بين الرؤية والرؤيا المتجسدتين في الصلب من مواد خزفية، تجرؤ عليه حنكة، وإصرار شابة يمكن وصفها بغير المسبوقة، خصوصاً عندما يقتصر المعرض كله على الصناعة الخزفية التي تعبر عن رابط معين، رابط بين العواطف والرؤى، من جهة، وبين عناصر البلاد الثلاثية التي قلّما احتضنتها بلاد أخرى في رقعة جغرافية ضيقة كلبنان، من جهة أخرى.
وتطرح العناصر المتآلفة بين البنيان الهندسي، والبيئة الطبيعية، والألفة المنزلية لمسة من الهدوء، والسكينة المريحة للذات، تعبيراً عمّا يختلج في ذات الفنانة من توق شخصي تبحث عنه في عناصر بلادها المفقودة في سواها من بلدان.
الفنانة
ديانا بو سلمان، وُلدت في باريس عام 1997، وهي مصمِّمة متعدِّدة التخصّصات، نالت درجة الماجستير في الهندسة المعمارية عام 2021، كا إنها متخصّصة في تصميم المعارض، وتُدير ورش عمل إنتاجيّة في كليات الهندسة المعمارية.
بدأت العمل بالخزف عام 2021، وهو مجال سرعان ما أصبح محورًا أساسيًا في نهجها.
شاركت في العديد من المعارض الجماعية في باريس، وميلانو، وبيروت، ولا سيما معرض "لقاءات 2023"، الذي كان دعوة للفنانين الصاعدين أطلقتها غاليري جانين ربيز عام 2023، حيث عرضت سلسلتها المكونة من 25 قطعة خزفية بعنوان "مقتنيات".
تُطوّر بو سلمان نهجًا فنيًا يجمع بين النحت الخزفي، وفن تصميم المناظر، والهندسة المعمارية، ومن خلال تجاربها، يبرز الخزف كوسيلة قادرة على تجسيد حركة أو صورة أو ذكرى في لحظة عابرة، ويصبح الطين بالنسبة لها أداة استكشاف للحواس، يختزن قدرة تعبيرية بين الأليف من الذات البشرية، والنافر بصلابته من الطبيعة.
معرض “ظلال وملاجيء": ثلاثيّة أبعاد حميميّة في مادة صلبة
الكلمات الدالة
8 مشاهدة
10 مارس, 2026
0 مشاهدة
10 مارس, 2026
92 مشاهدة
02 فبراير, 2026