RedPeace

"ميلاد الغزال معوّض" عاش ليعمل ويساعد بصمت رسم صورته محسن أ. يميّن من شهادات بنفس أديب

كتب جان رطل

كتاب الباحث الأديب محسن أ.يميّن كتاب عن سيرة "ميلاد الغزال معوّض : رجل إيمان ورحمة .. عاش ليعمل ويساعد". هو بدون أدنى شك استعادة لسيرة هذا الرجل ،الذي أجمع عارفوه بشهاداتهم عنه انه كان زاهدا بالتظاهر بما أنجز من أعمال كما سيعترض ويعارض أن تتناوله الألسنة والاقلام فيما قام به ويستأهل مديحا، كان يقاطع هذا النوع من المديح بأدب ويغيّر مجرى أي حديث مشابه  ويستأذن صاحبه وينصرف.
كان لا يعير الكلام عنه باعتباره مفسداً لفعل الخير الذي يقوم به بدون منّة، ومكتفيا بأن تتحدث أعماله عن حالها. وبحسب كاتب السيرة "الأستاذ محسن" فعلى أي حال ليس من السهل اختصار سيرة "ميلاد الغزال معوّض" بغير إنه "عاش ليعمل، عاش ليأكل ما يأتيه من عرق جبينه، وبدون أدنى شك ليساعد الآخرين”. وقد عرف ان خبزه لا يأتي بالهيّن. وقد وصل الى النجاح حين اتاه من معارك الحياة موصلا نفسه بنفسه بعصامية يعرفها عنه كل اترابه، فهو كان يعمل، والناس في أسرّتهم، وهو يسابق شروق الشمس إلى العمل. 
لم تبدله النجاحات لأنه كان يتقاسمها مع حاجات الآخرين فهو كان جاهزا ليكون للأقربين مساعداً لأن سلطان المال لم يسلبه تواضعه. كتاب السيرة هذا وصل الى "محسن أ. يمّين" بهذه الصيغة بعد قيامه بمقابلات مع من عرف "ميلاد الغزال" مع إضافة جهد يسير من مقابلات أخرى قام بها وانجزها الكاتب الصحافي "جورج فرشخ" ولم تُعِنْهُ الظروف بالتقدم في انجاز العمل. غير أن "الاستاذ" محسن يطغى بطريقته في تقميش مروحة العديد من الاشخاص الآتين من الأسرة، والأقارب، والشركاء، وكانت كلها الملاذ لردم فجوات المعلومات ذات الصلة بمعظم جوانب فصول حياة صاحب السيرة، وكيف تكوّنت شخصيته، ومفاصل نشاطها وميادين متعددة من عطائه.
وكما دائما صنع محسن من المقابلات، وقصاصات الصحف، حضور الشخصية الهرم التي لم ينسَها الأقارب، والمقرّبين إليه بحيث تظهر النتيجة كسيرة على شكل وجه قسمها الكاتب على عدد من الفصول والمسارب. وكان لأفراد العائلة المداخلات والمراجعات  الأساسية التي ساعدت المؤلف ليصل الى الصورة الغنية التي وصل فيها بالكتاب.
بعد المقدمة يأتي "الفصل الأول"  ليسرد جذور صاحب السيرة ونشأته، ولادته ميلاد 1929، والده قبلان مخائيل الغزال ووالدته سليمة بطرس القارح. سمي ميلاد لأنه وُلِد في الميلاد. توفي والده وهو لم يتجاوز الخامسة من عمره، وميلاده كان آخر العنقود من عائله مكونة من 12 ولداً، أربعة ذكور وثماني بنات. كان بيت العائلة في اهدن قريبا من ساحة الميدان وتطل عليه كنيسة مار جرجس، وفي زغرتا كان على مقربة من كنيسة السيدة. كان اينما عمل وأينما حل لا يحتاج لمن يدله على درب بيت الله، آخذا عن والدته ميله الطبيعي مصاحباً إياها الى الكنيسة. وكان عنده ذلك ملمحاً من ملامح شخصيته منذ الصغر. وقد اتفق ان تزوج والده قبلان الغزال من سليمة القارح كما سيقترن "ميلاد" بدوره من حوّا جرجس القارح، وسيليهم أربع زيجات أُخَر من العائلتين.
ومن المصادفات الحزينة ان يتوفى شقيق ميلاد "شيبان" باكراً، وتبعه الوالد "قبلان" خلال فترة وجيزة. فواجهت الزوجة والأم الواقع باعتبار ان المسؤولية ستضاعف عليها، وأعباء الحياة ازدادت ثقلا على أكتافها وحيدة. وكل الدلائل كانت تشير عن والدة ميلاد انها كانت تقيّة الى حد يصعب تصديقه، ويتناقلون عنها الطلب من أنجالها وبناتها ان يقوموا بوضع مساعدات غذائية أمام أبواب بيوت تحددها بدقة لمعرفتها بأوضاع سكان الحيّ. وتكثر المرويّات عن أعمال الوالدة التي حفرت بابنها "ميلاد" الإيمان في داخله، بدين الأعمال وليس الأقوال، وهذا ما ينطبق على قول السيد المسيح، بحسب إنجيل متى، : "وأما انت فمتى صنعت صدقة فلا تعرف شمالك ما تعمل يمينك. لكي تكون صدقتك في الخفاء. فأبوك الذي يرى في الخفاء هو يجازيك علانية" وهو قد جازاه، بالفعل، علانية.
بعد اختياراتنا من الفصل الأول يأتي ما يتضمنه الفصل الثاني: ويكون عنوانه "عاش ليعمل" باعتبار ان "ميلاد" لم ينل سوى نصيب محدود من العلم. لكن ذلك لم يمنعه من عمر الرابعة عشرة ان ينضم الى حلقة المتعاملين مع بلدية زغرتا- اهدن، ومن بين أعمالها سيتكفل بتعهد القبان. ولكم شوهد قبلها وهو يبسط صناديق التفاح من جنينتهم. كان يبيعه ليتحمل أعباء المعيشة مع الوالدة. وكان يعود الى البيت مقطوع النفس لكن بمنتهى الرضى لما يقدم من مساعدة لوالدته. 
دخل معترك العمل حاملا القبان ليكسب لقمة العيش، ومبكرا على النتائج المبهرة التي سيحققها. فتقدم على كل الذين حملوا القبان الذين راوحوا مكانهم بينما هو، أي ميلاد، راح يندفع الى الأمام. وقد خاطب احد اقاربه الذين ساعدهم على التحصيل العلمي وخاطبه متعهدا نفقات دراسته قائلا: " اذا بدك تتعلم وتستحي تبكل شريط بوطك لا تتعلم. خلي اجريك على الأرض، بس راسك بالنجوم".
بحلول سنة 1950 سيبدأ "ميلاد" يخطو كمتعهد بالتزام اعمال توسيع عدد من الطرقات في اهدن ومنها طرقات "اوتيل أبشي"، "المطل"، "العقيبة"، وغيرها الكثير. ولكنه بفائض حيويته فتح دكان شراكة مع اخته إيفيت، وفتح محل تصليح ساعات شراكة مع يوسف داود معوّض. وسيمد يد العون لشقيقه الغزال مشرفا على تشييد مبنى الثري المزياري ميشال جورج الذي ستكون العلاقة به فتحاً لباب شراء "أوتيل البلمون"، وهذا العمل سيعقبه عمل آخر، ولم يكن ميلاد ممن يهابون فرص العمل وتزامنها. كان يعمل من " الفجر للنجر". خلال عام 1951 استأجر "مطعم الفردوس"، ولن يستمر بشراكته مع السيد طنوس ندّي معوض اكثر من سنتين .كان اول عهده بالاهتمام بالمجال السياحي في هذا المطعم.
تلاه واكمله فندقيا وكان اول عهده بالأكل الذي سيزيده مدخولا عند تعامله مع قوى الامن الداخلي متعهدا تقديم وجبات للمساجين في سجن زغرتا، مشجعا ابن شقيقته وداد- "محسن عبدالله"- ليشاركه في التعامل مع الجيش من أجل تأمين الأكل لعناصره. 
في تلك الفترة سيعرف "ميلاد" ان ضوميط سعادة سيتعثر خلال بناء "أوتيل بلمون " وبعد أكثر من شراكة مع متمولين يتدخل "سعادة سعادة" و يطلب ثلث الفندق والثلثين لميلاد الغزال هذه الشراكة التي ما زال مفعولها ساريا الى يومنا هذا بعد ان تم تدشينه صيف 1955.
سيبدأ قلبه بحب "حوّا جرجس القارح" وسيجمعهما الزواج في 17 حزيران سنة 1956.
اسس مع المهندس إميل خلاط شركة للمقاولات في طرابلس عام 1960 وستدشن الشركة اعمالها بالتزام الملعب البلدي. وكانت المشاريع لتتوالى فكان إن اتى تعهد اشغال معرض طرابلس الدولي الذي اجتمع اليه اوتوستراد بيروت – طرابلس الذي سيسهل الوصول من العاصمة بيروت، والمعرض الكائن على مدخل العاصمة الثانية.
خلال هذه المرحلة كان اوان التحاق ولديه بالعمل قد آن، فولده جورج تخرّج مهندسا من باريس اما ابنه جوزيف فقد اتى من لوس انجلوس حاصلا على اختصاص في مجال الهندسة، واصبح الشابان دعما لجهود والدهما. ومع تطور النزاع المتمادي في البلد استجاب "ميلاد" لرغبة المتمول الطرابلسي محمد خالد المير شراء بناية ادوار بطش التي كان سبق واشتراها ميلاد في وقت سابق وهي في شارع التل وفيها مقهى.
وهكذا من سعر مبيع المبنى والمقهى خطر لميلاد معوّض ان يشتري 300 ألف متر من أراضي "أدما" القاحلة بأسعار متدنية بقصد اقامة مشروع سكني عليها سيقال له " تريدنا ان نسكن بين الواوية"، وكان قصده تحويلها من ارض قاحلة الى بقعة تناسب مشروع سكني خارج ازدحام العاصمة التي اصابتها الحرب، والجولات المتعاقبة.
هذه الحالة تذكر بما حصل في 1951 حين تحولت الرابية الى مشروع سكني نموذجي. اما في حالة ميلاد الغزال و أدما لم يكن هناك ثمة شركة من مجموعة مستثمرين سوى مبادرة للعمل من الصفر حيث سعى الى فرز الاراضي وانجز البنية التحتية  وعمل على فكرة تعمير خمسة مبانٍ أسكن فيها عائلات بشكل شبه مجاني اعواما طويلة. وانتظر جذب السكان لأن هذا ما سيرفع سعر متر الارض. هذه الفكرة هي سرّ تحول أدما الى احدى أجمل المناطق السكنية . 
ويعترف جورج ابن "ميلاد الغزال" ان والده لم يجد مخرجا لطريق أدما على الاوتوستراد وحين تبدل الامر، مع الوصول عبر طريق الكازينو، تحولت ادما لتصبح مع لقب "لميلاد الغزال" انه هو "ابو ادما". وقد واكب تأسيس مجلس الانماء والإعمار بإنشاء شركة مع المهندس شارل إده، وقد ارسى تفاهما معه، وتعاونا مع فائض حيوية اضافية تتيح الذهاب الى الاساسي في اي مشروع. وكان من المشاريع التي نفذتها شراكته مع اميل خلاط وأنجزتها: اوتوستراد بيروت – شكا وكانت معهم الشركة الالمانية "كونز"، ومعها مشروع الاسكان ادما، والمعيصرة ، تل الغزال في بصاليم، فمعمل الكهرباء في دير عمار. وانجز طريق شكا – اميون – كوسبا. طريق الهري – القلمون. طريق البداوي – العبدة .طريق عكار الرئيسية. تنفيذ وربط الاتوستراد بوصلها الى طرابلس في محلة البحصاص. مرفأ طرابلس. البنى التحتية في التبانة تمديدات مياه الشفة المحتاجة الى تأهيل وتوسعة . توسعة نقاط مرفأ طرابلس جرت على دفعتين. تمديدات مياه شكا – أنفه.
كان يتعامل مع العاملين معه بتسديد أجورهم نهاية الأسبوع. بشهادة مقاولين اشتغلوا معه تعهدات كثيرة منها طريق طورزا – إهدن. وكانت هذه سياسته لتحفيز وتيرة العمل، وكي يعطوا العمال أفضل ما عندهم. 
شارك سايد فنيانوس بالعمل في أكثر من مشروع مع شقيقه عنتر. خلال تنفيذهم لمعرض طرابلس الدولي وطرقات طورزا – اهدن -  والبلمند وكسارة الفوار معتبرا إنه من أخذ واعطى شارك الناس في أموالها. ومن "الكاتالوغ" الخاص بشركة المقاولات "معوض – إده" تعلم ارتباط اسمه و اسم شركته، التي خلفه فيها ابنه جورج، ومع حفيده ميلاد ابن جورج، في انجاز الاوتوسترادات والطرقات الرئيسية والتمديدات المائية والسدود والاعمال على الأبنية الخاصة والعمل في اعادة بناء وسط بيروت محطات توليد وتحويل الكهرباء.
يضاف إلى ذلك، تشييد المباني الرسمية والمعابد الدينية والأديرة، والفنادق في لبنان  والعالم العربي ،والسجون، والمدارس والمستشفيات، والمراكز التجارية وواجهة بيروت البحرية واعادة تأهيل المتحف الوطني اللبناني، وعدد من القصور والدور والمسارح. 
عند هذا الحد أصبحت الأعمال ضخمة تقع التعهدات لها على شركة معوّض – إده ومن أهمها : سد شبروح، والقيسماني، وتتابعت المشاريع بتسلسل اسطوري. ومنها أيضا البنية التحتية لمنطقة الوسط التجاري، الذي سبق ذكرها، وقد استدعى هذا المشروع تدخلا من رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري، فناقش على مدى لقاءين احتمالية الخسائر التي ممكن ان يقع فيها و يتكبدها "ميلاد" وشركته. لكن إجابات "الغزال" كانت زكية وتصدر عن خبرة. وحدد للحريري بنود الاستفادة من السرعة في التنفيذ والحرص على النوعية بشكل جيد، يتفادى فيها الخسائر المفترضة، ويؤمن ربحا مؤكداً، وفي أقصى الأحوال خسارة محمولة!
وبعيدا عن المشاريع العامة لصالح الدولة توجه الى التوسع في غيرها من المشاريع الاخرى كمثال مجمّع سكني بالصيفي وانجاز زيتونة باي، الى برج الغزال، مكاتب ومصارف وغيرها، مشاريع مبانٍ خاصة، مصرف عودة، مقر ايلي صعب. وكانت هناك ايضا مشاريع خارج لبنان في البلاد العربية، اوتيل موفنمببك في صنعاء، ابراج السامرية – قطر .
ومن المشاريع الكبرى في لبنان، التجمعات الإسكانية للصندوق الماروني في المزهر، منشآت العبادية وشاطئ جبيل، إعادة تأهيل قاعات المتحف و باحاته. وكثير غيرها.
يبقى ان نلفت الى انه صحيح انه عاش ليعمل غير انه حقق امنية والدته ليساعد بنسبة من مدخوله والأرباح، وكانت مساعداته خرافية، فهو قدم اكثر من مساعدة لمن احتاج الى عملية جراحية للقلب حين كان الامر غير متوافرا في لبنان، فكان يعطي المال ويتابع المريض بموفد معه الى فرنسا كمثال. وحين كان المطران "بولس اميل سعادة" يلتفت الى بناء مستشفى كانت تفتقر اليها زغرتا ساهم في تجهيزها "الغزال" وتسديد أثمانها.
لم يبخل على محتاج حاجاته الضرورية، وعانى من الباركينسون من 1994 حتى وافته المنية  2017 .كل هذه المعاناة لم تبعده عن انشاء ومتابعة "دار الراحة" لأن المنطقة تفتقر الى مؤسسة تهتم بكبار السن. انشأ دار الراحة وحصل لها على العلم والخبر سنة 1981واقام موقعها  ليجذب كبار السن من زغرتا و طرابلس. وفكر أن ليس أقدر من الراهبات على ذلك، فسلّم جمعية العائلة  المقدسة للراهبات المارونيات إدارة المشروع.
"ميلاد الغزال معوض" عاش ليعمل ويساعد من الصعب ان يلخص واحدنا ما انجز على كل المستويات. ليس غريبا ان يقدم مؤسسات لا زالت تعمل حتى بعد غيابه. ومن البديهي من مثله ان يحصل على الاحترام والتقدير ليس أقله: وسام القديس غريغوريوس الكبير، وسام الارز الوطني رتبة فارس، ورقيم بطريركي، وغيرها من أمور التكريم الذي يستحقه رجل من قامة "ميلاد الغزال معوّض" عرف كيف يكون عصاميا وراكم تجربة اسطورية في العمل والمساعدات والمشاريع العملية والخيرية. 
إنّ مقالاً عن كتاب من 192 صفحة لا يكفي مهما حاول واحدنا ان يكتب لينصفه. يبقى ان الكتاب الذي عمل عليه الأستاذ محسن أ. يميّن يستطيع ان يقدم النص الأوسع والأكمل والأجمل عن ميلاد الغزال وما تركه من أثر.


 
الكلمات الدالة

معرض الصور