RedPeace

معرض "خلل" لريمون أبو حيدر: عطب في الانسان الحديث وتكنولوجيته

هاجساً ب"خلل" في الانسان المعاصر، بالترافق مع تطوراته التكنولوجية، أطلق الفنان الطرابلسي ريمون ابو حيدر معرضه الفني الإفرادي الأول بعنوان "خلل" (Erorism)، يتميّز بأنه معرض تجهيزي-تجريبي بالكامل، وأقامه في مركز العزم الثقافي- بيت الفن في الميناء بطرابلس، وإن هو إلّا عنوان ملطّف لواقع مرير عبّر عنه الفنان بأشكال تجهيز مختلفة، مستخدماً الحدائد، وبقايا الأشياء التي لملم الكثير منها من الشارع، منها منتهي الصلاحية، ومنها ما استخدمه للتعبير عن عطب أحدثته التكنولوجيا في الانسان.

يوحي المعرض بحالة من اليأس والإحباط التي وصل إليها الفنان انعكاساً لما وصل إليه كثيرون من اللبنانيين نتيجة تفاقم الأزمة، وامتداد مفاعيلها وأصدائها، حتى باتت غير محتملة، وتعبيراً عن تداعياتها وضع أبو حيدر نصوبه، وأشكاله، وتركيباته، في ارتداد يمكن وصفه بالثوري الذي يقلب الأمور رأساً على عقب.

حالة الرفض عما بلغه الانسان نتاجاً لواقع غير محتمل، تعامل الفنان معه بروحية رافضة، لا مستسلمة يائسة، لذلك صحّ معها القول إنه ثار على الواقع، محاولاً فضحه، وتفسيره، دون تقديم بدائل، ولا نصائح، ولا عِبَر، كما استلهم أفكار العديد من الفلاسفة مثل مفهوم تشييء الانسان لفوكو، وصناعة العقل لجورج أورويل، وسواهما.

بلغت حال الرفض للواقع ذروتها مع الفنان، فخلص إلى تبني قول "أفضلُ ما للبشر ألا يولدوا، وإن وُلدوا، فإن الأفضل أن يعودوا من حيث جاؤوا”. 

يتحدث أبوحيد عن معرضه الغريب كفكرة، وكأسلوب في آن، ويقول ل"ردبيس" إن "الفكرة بدأت تتواردني قبل استفحال الازمة اللبنانية المُعَبَّر عنها بتحركات السابع عشر من تشرين الأول\أوكتوبر2017، ثم حلول "الكورونا"، والأزمات المتواترة، حتى بتنا نشعر أن لا شيء على ما يرام في لبنان، كبلدٍ، ودولةٍ، ومؤسسسات بعد أن أصبحت كل مفاصله خلل بخلل، ومن هنا جاءت تسمية المعرض”.

لا يقتصر الخلل على البعد المؤسساتي، ولواقع الدولة المهتريء، والممارسة السياسية المشوّهة، بل يطعن في عملية التحوّل التي باتت تضرب الانسان نتاجاً لذلك الواقع، وثمرة لما اقترفه الانسان من تطوير للآلة، والخضوع إليها، في عملية يسميها الفنان "التحوّل".  

يقول: "هناك خلل إنساني يتحوّل إلى نظام، ونحن في منطقنا اليوم ننتج نفس السلطة والنظام كل مرة. فالمعرض مشروع محاولة انتقاد لهذا التحوّل الانساني. عبرت عن هذا الواقع بمواد وأخرجتها لأقول أن الآلة سلبت الانسان إنسانيته، وهي تسيطر على الانسان، ومن هنا جاءت كإعادة تشكّل على هيئة انسان”. 

ثم يغوص أبو حيدر في التفكير بتداعيات الآلة على الانسان، ويعترف بأن ما يقوم به "هو محاولة لنفهم كيف يفقد الانسان انسانيته من خلال التكنولوجيا التي صنعها بنفسه من الداخل، وليس من الخارج”.  

علاوة على معاني ومضامينه، يتميز المعرض باقتصاره على التجهيز في محاولة نادرة، أما لماذا التجهيز، وليس الرسم أو النحت أو التصوير، فيوضح إنه "اعتمدت التجهيز حصراً كوسيلة فضلى للتعبير عن فكرة شمولية، والوعي على ما أقول، ووجدته أكثر فاعلية من أن أحصر هذه الأفكار بلوحة تقليدية أو ديكور أو ألوان”.

يلفت في تجهيزه كيفية تأمين المواد لمعرض يضم عشرات القطع، كثير منها من المهملات، وما تخلى عنه الانسان في الشارع. 

أبو حيدر يوضح: “ استخدمت أشكالاً متوافرة في أنحاء المدينة، تصادفها كيفما اتجهت، وهذا النوع من التجهيز أتاح لي فضاء أوسع لأعبر بواسطته عن الحالة التي وصلناها من واقع اقتصادي لواقع الكهرباء، لمشكلة النفايات.. الخ. أي كل ما في النظام وذلك بعد أن أصبحت كل هذه الحالات جزءاً من حياتنا، بشكلها المتحوّل إلى الأسوأ”. 

من الجوانب المهمة لاعتماد التجهيز كمية الوضوح التي يتيحها للمتلقي، فالأشكال تُدخِل المُشاهد في الفكرة بصورة مباشرة، حسيّة، فقد "حاولت أن أقدم عملاً يمكن للمشاهد أن يراه من بعيد كما أدخلته في تجربة تستخدم الجسد، والحواس، والعين، والذاكرة، مع بعضها وكان التجهيز الوسيلة الوحيدة للتعبير عن كل هذه الأفكار في بوتقة واحدة”.

ويتابع روايته لكيفية تجهيز عناصر المعرض التي صنعها قطعة قطعة، بالتدريج وهو يحاول فكّ الاشتباك بين معاناته، والواقع، ف"كنت أجمع عناصر المعرض من ذاكرة المدينة، ومطارحها، وأحفظها حتى ياتي وقت استخدامها، ومنها ما تحول استخدامه عن الهدف الذي صنع لأجله، أي لغير وظيفته الحقيقية، فحوّلت الحديد إلى جسد آخر يجسد العطب الإنساني، والتوتر بين الانسان والأشياء الاصطناعية، الميكانيكية، ومنها ما هو بقايا مواد معجون أو حديد أو شظايا”. 

رغماً من تنوّع القطع، وتعدادها الوفير، إلّا أن أبو حيدر يرى في القاسم المشترك بينها كلها ما يوحِّد رؤيتها، ويجعلها، بنظره، "لوحة واحدة بعناصر متنوعة ووحدة كاملة، فرغم تنوّع الأشكال التي صنعت فكل منها بني بنية واحدة ضمن الإطار العام، وهي جزء من منظومة، فلذلك لا يمكن اعتبار كل عنصر منها نصباً مستقلاً"، كما قال. 

لم يطلق ابو حيدر تسميات على الأعمال، لأن كل عطب يتحول إشكالية ما، لها جماليتها وغرابتها في آن، فعبارة “الخلل” (errorism)، بنظره، "تستهدف تمييز الخطأ تحت إشكالية هل ينهار الانسان أم تنهار انسانيته”. 

وينتقل في تناوله لإشكالية المعرض، إلى استنتاج ناجم عن رؤاه ومعانيه، ف"من هنا أفضل ما يمكن أن يحدث للانسان هو أن لا يولد"، طارحاً إشكالية التوتر بين الوجودي أو اللاوجودي، فالسؤال الفلسفي حول كينونة الانسان، وما بلغته عبر الأزمنة، والأنظمة، "يصعب تجسيده بلوحة فنية تقليدية ملونة، وفي التجهيز استخدمت أشكالاً ملتوية واخرى مشوهة تعبيراً عن الخلل الانساني”.

ويخلص إلى إنه كان "بحاجة للّغة التركيبية للتعبير عن التجارب الكثيرة التي مررنا بها من أزمة النفايات، إلى انفجار المرفأ، إلى الأزمة الاقتصادية، والحروب الاقليمية، وسواها من تداعياتٍ لبنانية".

بمعنى آخر، يضع المعرض الإنسان في مواجهة مرآته الأخيرة، "تلك التي يرى فيها نفسه وقد صار جزءاً من منظومة أكبر منه، منظومة تستدرجه ليؤمن بالخطأ والعَطَب كما لو كان حقيقة”، كما يقول. 

الفنان

 

فنان من طرابلس، واستاذ جامعي ومحاضر في الفنون التشكيلية والبصرية، يتابع دراسة الدكتوراه في جامعة الكسليك، ويحمل الماجستير من كلية الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية. متخصص في تاريخ الفن، وفلسفة وعلم الجمال، والنقد الفني، وله مساهمات في هذا المجال في العديد من الصحف اللبنانية. شارك في العديد من المعارض وورش العمل والمؤتمرات الفنية داخل لبنان وخارجه.

 

 

 


الكلمات الدالة

معرض الصور