RedPeace

انفجار مرفأ بيروت ينبت زهوراً في معرض

"تفتحت الزهور من بين حجار الاسمنت المكسور" هو عنوان المعرض الذي تقيمه الفنانة اللبنانية ندى الصحناوي في  غاليري "كينشو"(kenshō) في مار مخائيل في بيروت، ويتضمن  سلسلة منحوتات ورسوم مختلطة ومتعددة  الوسائط، من أحدث أعمال الفنانة. 

"الاسمنت المكسور" ليس سوى مرفأ بيروت، وتكسراته الاسمنتية ليست سوى بعض من تداعياته الكثيرة، ونتاجاً لما أحدثه من تدمير في البنى العمرانية، والنفوس، ومشاعر الناس، خصوصاً منهم من طاولهم الانفجار بصورة مباشرة، ذلك لأن انفجار المرفأ دُمّرَ مشغل ندى صحناوي، مخلِّفاً مساحة ممزقة، ومتشققة، نبتت في شقوقها زهور ونباتات.

بمعنى آخر، وُلِدَتْ زهور ندى صحناوي من المأساة، لكنّّ تفاؤلها، وعزيمتها شكّلا قوة تنبع طبيعيًاً من بين الركام، فتنعكس أعمالها تمرّدًا ضد محو الذاكرة بعد صراع، ويتجلى ذلك فيما كتبته : "وبعد مرور خمس سنوات، ما زلت أجد زجاجًا مكسورًا في المشغل، متبعثرُا في أغرب الأماكن.  وبعد خمس سنوات، تفتحت الزهور من بين حجار الاسمنت المكسور."

في تحدّي الانفجار، وتداعياته، تتقدم أعمال صحناوي في لوحات صغيرة، دائرية، لامعة، متحركة، مفعمة بالأمل، ملؤها اللون الحيّ، البراق، والأشكال الهادئة تقف بخفتها صامدةَ أمام الضغوطات المستمرة والقلق اللبناني الدائم غير المتوقف. 

لذلك، تأتي سلسلة من لوحاتها أعوام 2018-2022 بعيدًا عن أخبار العالم السيئة، مُحاوِلةً محو العنف من عالم مضطرب، ومتوتر، فتعاكس التيار بحثاً عن عالم مفترض اختفى منه العنف، وهو لم يكن كذلك ولا مرة في تاريخ الحضارات التي قامت على الحروب والعنف.

وفي لفتة لسلسلة لوحات "كم وكم بعد" (2015-2019)، التي رسمتها صحناوي رداً على الحروب المستمرة في المنطقة، تعكس فيها بصورة جلية أن المقاومة لا تتجسد في لفتة واحدة، بل لها إيقاع مستدام، حيث رسمت على اللوحة بضربات فرشاة خفيفة ثمّ قامت بتغطيتها بطبقات من العناصر العشوائية لخلق غموض بين التجربة الشخصية والجماعية.

صحناوي كتبت في نص مرافق للمعرض: "في الساعة 6:07 مساءً، نجا جميع سكان هذا المبنى الذي كنتُ أعمل فيه؛ فلم يكن أحد بالداخل. لقد واجه المبنى الانفجار بمفرده. لكن إن حالفنا الحظ، لم يكن الأمر كذلك بالنسبة للجميع”، معدّدة تداعيات المأساة، وهول الانفجار، وما سبّبه من زهق أرواح بريئة. 

تضيف: "بعد مرور خمس سنوات، ما زلت أجد زجاجًا مكسورًا في المشغل، متبعثرُا في أغرب الأماكن".

أعمال

تطغى البساطة على أعمالها شكلاً، لكنّها تحتفظ بمكنوناتٍ خفية في طيات الأعمال، فهي فنانة تعايش الوقائع، وتنهل من تطوراته، يغلب على تشكيلها طابع الوسائط المتعددة.

ترسم مما خلّفه الانفجار، بقعاً مستديرة، أو بيضاوية، لكنها تعطيها اللون المتناقض مع الألوان التي خلفها الانفجار: رمادية أو سوداء متداخلة جراء الحرائق، لتحوّلها إلى بقع مزدانة، بهية، تتحدّى بها الموت، وتجعل من شكل شظية حجر، دائرة زهراوية، تتناسق مع العنوان: "تفتحت الزهور من بين حجار الاسمنت المكسور".

من مجموعة "كم وكم بعد" مستطيلات قماشية بألوان وخطوط مزدانة كأنها سجادة تحاكي عوالم شفافة، وتخفي في طياتها ما تبقى من أمل غير مكسور. 

تكتظ في عدد من الأعمال ورود حمراء صغيرة لتشكل مساحة من الأمل والنور، تبدو كأنها لوحة أو تشكيلة واحدة، لكنها متباينة بخفة بين حدود الورود الناهضة. 

ومثلها مجموعة أخرى رمادية على بياض، هي أيضاً ورود منبثقة من شقوق الاسمنت المتفجر.

عن الفنانة

ندى صحناوي فنانة تشكيلية مقيمة في بيروت، تتناول أعمالها الآثار التي تركتها الحروب، لامسةً مواضيع شتّى كالذاكرة الشخصية، وفقدان الذاكرة العامة، وبناء الهوية، والنضال من أجل إبقاء الحلم تنبض به الحياة.

حملت صحناوي العديد من القضايا في اللوحات والمنحوتات والمنشآت العامة التي عملت عليها منذ أوائل التسعينيات، وعندما ترسم، غالبًا ما تقوم بدمج الأشياء، والكلمات، والصور الأرشيفية على لوحاتها لإثارة النقاشات حول التأثير الدائم للصدمة والذكريات المتنازع عليها. 

نالت صحناوي شهادة الماجستير في التاريخ من جامعة السوربون في باريس الرابعة، وحصلت على شهادة من مدرسة متحف الفنون الجميلة في بوسطن.

عناوين لوحاته تنبع من عمق المأساة، مثل"توليب لبلد مجروح" (1992)، ألعاب الحرب (1993)، إحصائيات الحرب اللبنانية (1994)، كم وكم بعد (2016-2019)، وبعيدًا عن أخبار العالم السيئة (Loin des mauvaises nouvelles du monde) 2022-2019. 

كما تمتدّ تأمّلاتها إلى النحت، فتتجسّد بمنحوتات مثل "أجزاء" (In Pieces) (2019)، وأخبار العالم السيئة (du monde Les Mauvaises nouvelles)، والرئتان (2019).

استحوزت مجموعات خاصة وعامة مهمة على أعمال صحناوي، من بينها المفوضية العامة للعلاقات الدولية لمجتمع والوني بروكسل في بلجيكا، ومجموعة وزارة الثقافة في دولة الإمارات العربية المتحدة، ومجموعة سارادار، و"مقام" MACAM (متحف الفن الحديث والمعاصر)، ومتحف سرسق في لبنان، وأصدرت صحناوي كتاباً عن تغريب الحياة اليومية في بيروت (1860-1914)، بالإضافة إلى أنها نشرت مقالات عديدة حول حقوق الإنسان والسياسة.

الكلمات الدالة

معرض الصور