كتب جان رطل
يهدي رفيق علي أحمد، الكاتب المسرحي المبدع، والممثل لمسرحيات، الممثل الفرد ،المميز، باكورة كتبه المنشورة مؤخراً للحبيبة جمال، وللغاليان جبران و هنا، ويضيف لذلك: اليكم حجة غيابي النسبي عنكم؛ يظهر حميمية الإهداء كما كل أسلوب الكتابة التي يتبعها في كتابه "رفيق علي أحمد" الصادر عن دار هاشيت انطوان بشكل واضح وصادق.
يقسم كتابه الى 16 فصل يفتتحها بفصل عن "القرية"، ويقول: قالت والدتي لجارنا الحاج حسين تشكوني حين أعلنت لها قراري ترك القرية، والرحيل الى المدينة بيروت، مضيفةً: الله منعم عليه معلم مدرسة، بيقبض معاش، وبيعلم بضيعتو، بدل ما يعمر غرفتين ويتزوج، قال بدو ينزل عبيروت: وشو بدويشتغل!؟ ممثل!!
ساعة رحيلي صرخت: ... "بخاطرك يا حجة”. أجابت: "والله مش بخاطري. بدك تروح روح. رضى قلبي وربي. إن شاء الله إذا أمسكت التراب بيقلب بإيدك دهب يا رفيق. بس دير بالك يا ميمتي”.
بهذه الكلمات، أودعت والدة رفيق ابنها على درب بيروت .خبي قرشك الأبيض(..) قرش بيروت ما بيطلعش منها .. بدك تقضي حياتك جوعة شبعة. الله يرد عنك ولاد الحرام يااا بو جبران.
كانت والدته تناديه"أبو جبران" من صغره. يعترف لقريته "يحمر الشقيف"في جنوب لبنان بما صار عليه في بيروت. هناك كانت البداية. ولد بعد ان اسقطت والدته ثلاث مرات حبلها. ولادته كانت بالشهر السابع فكان فرح الأم والعائلة.
بعد حياة بالطبيعة اقترح "البنّاء" على والده أن يرسله الى المدرسة. حينها ذهب به الى المدرسة بعد تأخر على تسجيل الصبي في سجلات نفوس العائلة عند المختار. كان وقتها بحسب تصريح والده، سجل عمره عند المختار 6 سنوات، العمر المطلوب للمدرسة، واختار المختار 3\ 2\ 1951 تاريخا لميلاد رفيق. انعكس هذا العام تأكيد ليوم ميلادي، يقول رفيق، إلى حريةٍ، وتَفَلّت من كل قوانين الجاذبية، فعاش هذا رفيق طوال حياته.
في سن العاشرة، أو أقل، طلبه جدّه، للمساعدة في "دراسة القمح" مقابل "مونتنا" من القمح كمكافأة لي. وقتها صار الصبي واحداً من العاملين في الأرض، راعياً وفلاحاً. تعرف على كل أمور الأرض، كتسريح البقرات، وربط الثورين إلى النورج لدراسة القمح. كانت الحياة التي يعيشها في القرية تسير في تكامل بين الإنسان والحيوان والأرض. حياة رعوية كان يعيشها رفيق بين فلاح يقوم بتأنيب ثوره الذي تعب وسيدة، الجارة، الفلاحة التي تؤنب دجاجاتها على إكثارها من الأكل مقابل قلة إنتاجها من "البيض". ويتعرف على حدود وطنه لبنان من جهات ثلاثة، ويدخل مراقبته لخلف جبل حرمون بوصفه له في مسرحية"جرصة" بأسلوب شاعري ومن ثلاث جهات. أما ما تبقى من حدوده الغربية فيدله عليها تلألؤ مياه البحر الأبيض المتوسط.
مقطع آخر يدخله في متن مسرحية "قطع وصل" يختصر فيها حالة الخوف والقلق وعدم الأمان والإستقرار التي عاشها وعشناها كلنا. يصورها هكذا :أنا ملقوح عها الأرض (..)و سراج نمرو 4 . ويبقى، الوالد، عم يدرسني حساب ومش عم بيفوت براسي علم. هنا تأتي نصيحة والده: "أدرس. تعلَم. بدهن يهجرونا من هون. شايفها "لمسكاف عام" كيف مشعشعة؟ هيدي إسرائيل (..) بدهن يهجرونا .ومش رح تاخدوا معكم شي (..) بالقليلي تكونوا متعلمين تقدروا تعيشوا".
بعد هذه الحكاية، وقبل أن يتحول إلى حكواتي يجمع حكاياته من كل لسان، يحكي كيف رسب بالسرتيفيكا بسبب خطأ مطبعي، بما أن اسمه لم يرد بالجريدة، لكن بعد فترة تزيد عن سنة، أُرسِلت له الشهادة، الملوّنة الرسميّة مما يعني إنه نجح بالسنة السابقة، ففاخر أمام من كان انتقده باعتباره كان يفترض انه الراسب الوحيد بمدرسته السنة الماضية.
ويخبرنا كيف كان يوفر ربع ليرة من مشوار العودة الى البيت من المدرسة. وكان هدفه من هذا التوفير تجميع المال ليشتري آلة موسيقية! وتحدث عن مصادره الأولى للتدرُب على التمثيل مستمعاً ومُرَكِّزاً على "عدلا" الحكواتية بالفطرة، وخال أمه راعي الماعز "حسن" صاحب "الكلمة التي بقلبه ع راس لسانه”.
من القرية وبعد الكثير من الحكايات، نصل الى فصل المدينة، فيأخد كلام يعقوب الشدراوي الذي يقول عن رفيق: "حفروا رجلاك في خشبة المسرح يا رفيق".
يأتي الرحيل بعد معارك عسكرية في الجنوب، والفوضى. انتقلت العائلة الى حي السلم. أما رفيق، فيسكن شقّةً في بيروت شارع المقدسي. يقول عن هذه المرحلة: "كيف ومن أين أدخل في المدينة ، أهون ألف مرة انك تكون منفي خارج بلدك من انك تكون منفي ببلدك". عرض هذه الحالة مع حالة والده في مشهد من مسرحية "قطع وصل"، هذا الفصل يركّز رفيق فيه على علاقته بالاستاد يعقوب الشدراوي الذي أحبّه كثيراً، وأجاد في صفه تجسيد التمارين التمثيلية، مما شجع يعقوب ليعرض على رفيق مرحلة عمرية لمخائيل نعيمة في المسرحية التي كتبها يعقوب في احتفالية عن "النعيمة".
جسّد رفيق ممثلًا في هذه المسرحية دور"الأرقش"، ومن المعروف عن يعقوب إنه يجيد إدارة الممثل، وصناعته على اسلوب "ستانيسلافسكي"، وكانت هذه فرصة ليتقدم رفيق عبر دور واحد من بين ستة شخصيات رئيسية، معتبرا هذا بداية احترافية لامعة، وجيدة جدا، والبداية قوية لرفيق علي أحمد.
التمارين واجهت إشكالية في الذهاب والرجوع بين ابناء "الغربية" بالوصول الى مسرح كنيسة الأرمن في الأشرفية خاصة مع حسام الصباح و عبيدو باشا، فاضطرا للإنسحاب، أما الباقون فلم يكن عندهم التزام سياسي. وتأمن لرفيق من قبل رضى خوري التي أتت بورقة تسمح لحاملها بالتحرك بين المنطقتين، كان يخبئها في فجوة داخل حائط في منتصف الطريق، يأخدها بالذهاب، ويعيدها الى المخبأ بالعودة في فترة شهر ونصف وقت التمارين. العروض كانت على مسرح غولبنكيان في جامعة (BUC أصبحت حالياLAU) حيث عرضت سبعة عروض. يقول عنها رفيق انها "حُفِرَت بذاكرته بحروف من حلم و أمل”.
يأتي الكلام عن تجربة الحكواتي، وشارك بمسرحية "من حكايات 1936 " التي أخبرت عن ثورة اهل الجنوب وكل لبنان على الوجود الفرنسي، وكان استقبالها استثنائياً في مهرجان دمشق الدولي للمسرح سنة 1979. وهذا ما حصل مع المسرحية الثانية من الحكواتي التي شارك فيها رفيق وهي "أيام الخيام" التي تحدثت عن إجتياح الجنوب من قبل الإسرائيليين سنة 1978 وعرضت في باريس، وبعدها في أيام قرطاجة سنة 1984، واستقبلت فيهما بحفاوة كبيرة.
بعدها يروي سفره مع معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية الى مهرجان أفينيون، والذي شاهد فيه عدداً كبيراً من المسرحيات الكبيرة، وبقيت بذاكرته مسرحية "فيليب كوبير" ممثلا عرض الممثل الواحد، وهذا الممثل أُعجب به رفيق كثيراً، وهو من فرقة مسرح الشمس التي تخرج لها "أريان منوشكين" مسرحياتها، وقد مثل "كوبير" دور موليير في الفيلم الذي صنعته الفرقة. أُعجب رفيق بعرض الممثل الواحد، وبقي يدور في وجدانه عشر سنوات كفكرة مصمِّماً على إنتاج مسرحية مشابهة، فكانت تجربته الموازية بإخراج روجيه عسَاف، وكانت "الجرس" العنوان للمسرحية التي عشقها الجمهور، وصنع لها ولرفيق نجاحاً خيالياً خرافياً تستحقه.
عند هذه النقطة سأبدل أسلوب عرض الكتاب مختصرا فصوله بالعناوين. وصل الأمر مع رفيق إلى ان يعمل مع السيدة نضال الأشقر أولًا ، ضمن ما عرف بفرقة الممثلون العرب، شراكة مع الطيب الصديق، ومجموعة من الممثلين العرب، وبعدها كانت مسرحية "الحلبة" تأليف بول شاوول، وفؤاد نعيم مُخْرِجاً، و تمثيل بالشراكة بين نضال الأشقر ورفيق علي أحمد، وقد ذهب الى قبرص لعروض "الحلبة".
بعدها عرض "المفتاح" وأعطاها عنواناً ثانياً: حوار الحضارات، من ثم إشتغل على "زواريب" . وذهب بعدها الى ثلاث مسرحيات، بما يسمى المسرح الكبير، من تأليف منصور الرحباني:" آخر أيام سقراط"، و"حكم الرعيان"، و "جبران والنبي". اتت بعدها مسرحية "قطع وصل"، ومن ثم "جرصة"، بعدها "وحشة"، ثم مقاطع من مقالات لنقاد عن أعمال لرفيق من كل مسيرته، ومقالة حول الراوي – الممثل.
كلمة أخيرة حول الإختصار في آخر هذه المقالة فهو أتى لترك المجال لحجم القراءة، وترك القارىء أمام مواجهات الكتاب الممتع، وكأن هذا المقال يمثل مدخلًا لتشجيع القراءة، والتعرف على سيرة لفنان ممثل، وكاتب مسرحي من الأشهر، والأكثر تميُّزاً من ثمانينيات القرن الماضي، وحتى أيامنا هذه. هذا بدون ذكر المسلسلات التلفزيونية التي أصابت نجاحا.
كتاب رفيق يمثل أخيراً مدخلا للتعرف على جيل من المسرحيين، و الممثلين بشكل عام حضروا في متن كتاب "على خشبة الحياة".
" على خشبة الحياة "، سيرة مسرحية: من رفيق علي أحمد المبدع والكاتب والممثل
الكلمات الدالة
162 مشاهدة
02 مايو, 2026
165 مشاهدة
29 مارس, 2026
454 مشاهدة
12 يناير, 2026