تطغى على صالة غاليري "صالح بركات" الفسيحة في كليمنصوه ببيروت، توهج نور يشعّ من لوحات فنية تابعة لمعرض الفنان التشكيلي الموسيقي اللبناني ريبال ملاعب بعنوان "الانسياب بالنور" (Becoming Light)، ذلك أن كل ما في المعرض مساحات ألوان شبه صافية، هي ألوان قوس القزح.
وإذا كانت صحيحة مقولة الفنان ابن بيئته، كما الشاعر، فإن ما يعكسه المعرض هو شخصية الفنان المنطبعة في داخله انعكاساً لما يعايشه كل لحظات اليوم، وما تتلقفه مقلته من أنوار منذ ولادته في جبل مطّلٍّ على الآفاق، والبحار، والسموات القريب منها والبعيد، بانسيابات هادئة، ففي الصباح إشعاع نور متكسِّر من خلف الجبال شروقاً، وفي الظهيرة ظلال متوهّجة، وفي العصر أشعة الشمس المنكسرة وهي تغرق في أفق البحر رويداً رويداً، وفي كل خطوة من خطواتها نحو الانغماس النهائي، تلاوين متناغمة كأنه معزوفات موسيقية.
وبين حركة الشمس، وألوانها المشرقة، تتوزع سماء ويتمدد بحر بزرقة حلم، تنساب في الانسان حالة من النورانية الداخلية، المشبعة بالأمل، والجمال، والهيام.
إلّا أن ملاعب، الذي أحال هذه المشاهدات العينية إلى لوحات تشكيلية، على ما عايشه مع أجداده، وأبيه الفنان جميل ملاعب، فإنه لم يكتفِ بما تشاهده عيناه من تحولات ضوئية بصرية، فقد انعكست الألوان في ذاته أنغاماً يسمع صوتها بقلبه، إذا لم تتردد ذبذباتٍ صوتيةً في أذنيه.
“تحولت إلى الموسيقى لأنني عايشت تلاوين جدي ووالدي"، يردّد ريبال، ولأن الابن يريد التمايز عن والده، والتقدم عليه، جمع الفنّين في عمل مندمج، متناسق، ولم يعد قادراً على الفصل بين التشكيل اللوني، والعزف الموسيقي الذي تعلمه، وغاص فيه ببراعة، فخرجت من بين يديه تجربة فذة، فإذا ضربة الريشة نوتة موسيقية، ومسحة القوس على الكمان عمل لوني متناغم كلوحة فنية.
لا ينفي ملاعب تأثره بأجواء العائلة، ومواكبته للوالد، ومساعدته في تحضير الكانفا، وإطار الخشب، وما إلى ذلك، ومشاركة العائلة في الأحاديث الفنية، والفنانين، ومنها، كما يقول ل"الميادين الثقافية"، مع فنانين لبنانيين كباراً معروفين، من أصدقاء للعائلة، مثل بول غيراغوسيان، وعارف الريّس وسواهما، طالما زاروها، وتفاعلوا معها فناً وذوقاً رفيعاً، فيما أسماه "إيكوسيستم" فني.
ملاعب يعتقد أيضاً أن الفن يصبح مع الوقت، والممارسة، والتذوق لغة طبيعية، ترفدها الموهبة، ليصبح الفن "طريقة عيش"، أكثر من هواية، فالانسان برأيه، ابن البيئة التي يولد فيها،وقدم مثلاً على ذلك بأن من يعش في بيت همه الاقتصاد، أصبح همه تجارياً، والشخصية تتبلور في الهمّ العائلي.
عن رأيه في الفن اللبناني، يعتقد أن بيروت من أهم عواصم العالم في المستوى الفني، فهي مليئة بالمسارح، والحفلات، ودور العرض، والأعمال التشكيلية، والفنانين من مختلف الانواع، ويقارنها مع الحياة الفنية في زيوريخ بسويسرا، حيث درس، وحيث يمارس فنونه في حيّز واسع من أوقاته، فيرى إن الحركة الفنية في زيوريخ أبطأ من بيروت المتّسمة بحركة فنية مزخّمة على الدوام.
يعزو ملاعب الاهتمام اللبناني بالفن لأن المجتمع اللبناني، برأيه، اجتماعي الطابع، وبذلك، فالناس يحبون الجمال، والتغيير، والتنوّع، والمعرفة.
الأعمال
مجموعة واسعة من اللوحات التشكيلية مختلفة الاحجام، يغلب على اللوحة منها لون واحد، ببساطة، وأحيانا بألوان متداخلة بانسياب الطيف، تعبيراً عن جرأة فنية من جهة، وعن صدق تعبير لما يشعره ويريد أن يعبر الفنان عنه كما يشعر به.
يقول ملاعب إنه "في البدايات كنت أرفع الصوت، لكن مع تبلور تجربتي، وكثرة حواراتي مع الفنانين، تعلّمت قوّة الصمت، وقوة اللاشيء، وأن أقول أكثر بكلام أقل"، ومن هنا جاءت لوحاته عميقة تأملية، شاعرية الطابع، بأقل العناصر الممكنة، تالياً بساطة تعبيراتها، وانسياب ألوانها بصفاء.
لا يجد ملاعب في الفن ما هو صارخ بصورة مباشرة، ف"ليست المرأة كإنسان، على سبيل المثال، هي الموضوع، بل "وهرة" الجمال، وليس المشهد بحدّ ذاته هو الموضوع، بل وهرة المشهد هي جمال الموضوع، ويقدم نموذجاً على ذلك بملاحظته فتاة تدمع أمام إحدى الأعمال الفنية، خالصاً إلى أن الحب الذي يشعر به الانسان هو الموضوع، كما "الوهرة" التي تنتاب الانسان لحظة الغروب.
الفنان
وُلد ريبال ملاعب في بيصور، جبل لبنان، عام 1992، وانتقل إلى سالزبورغ في سن السابعة عشرة للدراسة في جامعة موزارتيوم سالزبورغ. ثم واصل دراسته في فيينا بجامعة الموسيقى والفنون المسرحية، حيث حصل على درجة الماجستير في الفنون بامتياز.
بعد انتقاله إلى زيورخ، سويسرا، عُيّن ريبال مديرًا فنيًا لجمعية "سوميتو" للفنون والموسيقى، وفي عام 2015، أسس مهرجان ملاعب لموسيقى الحجرة والفنون الجميلة.
عُرضت لوحاته في معارض ومؤسسات فنية في مدنٍ عديدة، منها نيويورك، طوكيو، فوكوكا، دبي، أبو ظبي، عمّان، بيروت، لندن، باريس، أنتيب، مدريد، أمستردام، جنيف، بازل، وزيورخ.
من معارضه الفردية الأخيرة: آرتيفاكت (نيويورك، 2025)، معرض ميزوي للفنون (فوكوكا، 2025)، معرض ميزوي للفنون (طوكيو، 2025)، غاليري إستر ووردهوف (جنيف، 2022)، وغاليري كلود ليماند (باريس، 2021).
ومن بين مشاركاته في المعارض الفنية الدولية، قدّم معرضًا فرديًا في معرض فولتا بازل للفنون (2024) ومعرض زيورخ للفنون (2024)، كما عُرضت أعماله في آرت باريس (2022)، ومعرض إسطنبول المعاصر (2025)، ومعرض آسيا للفنون في فوكوكا (2025).
الكلمات الدالة
29 مشاهدة
11 يناير, 2026
35 مشاهدة
31 ديسمبر, 2025
45 مشاهدة
28 ديسمبر, 2025