RedPeace

العلاقات التاريخية بين طرابلس وجبل عامل في جلسة حوارية ل"تليد"

برعاية وزارة الثقافة، انعقدت الجلسة الحوارية الثالثة التي تنظمها الشبكة الوطنية لحماية المكتبات والأرشيفات والإرث الثقافي في لبنان "تليد" بالتعاون مع الرابطة الثقافية في طرابلس، تحت عنوان "الإرث الثقافي في مواجهة المحو: جسور الحبر والذاكرة". 

مؤسس "تليد" هادي بكداش تحدث عن الجلسة، وأبعادها، ومعانيها، وسبب اختيار عنوانها بين طرابلس وجبل عامل في مداخلة قال فيها: 

يسعدنا في الشبكة الوطنية لحماية المكتبات والأرشيفات والإرث الثقافي في لبنان – تليد أن نلتقي اليوم في طرابلس، في هذه الجلسة الحوارية الثالثة، التي اخترنا لها عنواناً يحمل في داخله سؤالاً أساسياً: "الإرث الثقافي في مواجهة المحو: جسور الحبر والذاكرة”.

نحن لا نريد أن نتعامل مع هذا العنوان باعتباره عنواناً نظرياً فقط، بل باعتباره مدخلاً للبحث في ما يجمع اللبنانيين، وفي كيفية حماية الذاكرة الثقافية في زمن تتعرض فيه المكتبات والأرشيفات والمؤسسات الثقافية لخطر التدمير أو الإهمال أو النسيان.

اختيار طرابلس لهذه الجلسة ليس صدفة، فهذه المدينة كانت على مدى قرون مساحة للعلم والكتاب والتجارة والفكر، ومركزاً للتواصل بين مدن ومناطق لبنان، وبين المشرق والعالم. ومن هنا نفتح اليوم نافذة على جانب من العلاقة التاريخية والثقافية بين طرابلس وجبل عامل، وهي علاقة لم تكن محصورة في الجغرافيا، بل عبرتها حركة العلماء والطلاب والكتب والأفكار.

لقد انتقل العلماء بين المنطقتين، وتواصلت المدارس العلمية، وتبادلت المكتبات الكتب والمخطوطات، وكانت هناك صلات بين رجال الفكر والدين والأدب. 

عندما نتحدث عن حماية المكتبات والأرشيفات، فنحن لا نتحدث عن الرفوف والوثائق والكتب باعتبارها أشياء مادية فقط. نحن نتحدث عن مصادر المعرفة، وعن ذاكرة المدن والقرى، وعن تاريخ الناس والمؤسسات والحركات الثقافية والعلمية، ولهذا جاءت "تليد" لتكون مساحة تعاون بين المكتبيين والأرشيفيين والباحثين والكتّاب والناشرين والأكاديميين والمؤسسات الثقافية، بهدف التوثيق أولاً، ثم الحماية والترميم وإعادة بناء ما تضرر أو فُقد، وإبقاء المعرفة متاحة للأجيال المقبلة.

ومن هنا أصل إلى عملنا في الشبكة الوطنية لحماية المكتبات والأرشيفات والإرث الثقافي في لبنان – تليد، ففكرة "تليد" تقوم على أن المكتبة والأرشيف والكتاب ليست شأناً خاصاً بمؤسسة أو مدينة، بل هي جزء من الذاكرة الوطنية اللبنانية، وما شهدناه خلال السنوات الأخيرة من تضرر وتدمير عدد من المكتبات والمراكز الثقافية جعل هذه المسألة أكثر إلحاحاً، ولهذا جاءت حملة المليون كتاب للبنان.

الحملة تحاول أن تحول التضامن الثقافي إلى عمل عملي: جمع الكتب، وإيصالها إلى المكتبات التي تحتاج إلى إعادة بناء مجموعاتها، خصوصاً في المناطق التي تعرضت مكتباتها للضرر أو التدمير.

ومن هنا أيضاً نؤكد أن حماية الإرث الثقافي ليست مسؤولية مؤسسة واحدة، ولا وزارة واحدة، ولا مدينة واحدة. إنها مسؤولية وطنية مشتركة، تحتاج إلى تعاون الدولة والبلديات والمؤسسات الثقافية والجامعات والمكتبات والمجتمع المدني وكل من يعتبر الكتاب والوثيقة جزءاً من الذاكرة اللبنانية.
وفي هذا الإطار، تأتي هذه الجلسة لتؤكد أن التواصل بين المناطق اللبنانية ليس جزءاً من الماضي فقط، بل يمكن أن يكون أساساً للعمل الثقافي المشترك اليوم.

واقترح إنشاء المجلس الاعلى اللبناني لحماية المكتبات والإرث الثقافي، ووجودنا اليوم في طرابلس مهم بالنسبة لنا، لأننا نريد أن تكون طرابلس جزءاً من هذه العملية، كما كانت في مراحل تاريخية جزءاً من حركة العلم والكتاب والمعرفة، وإذا كان العلماء والطلاب والكتب قد عبروا في الماضي بين طرابلس وجبل عامل، فنحن نستطيع اليوم أن نجعل الكتاب جسراً جديداً بين الشمال والجنوب، وبين كل المناطق اللبنانية.

وختم: "هذا هو جوهر "تليد": أن نحمي الذاكرة، وأن نوثقها، وأن نحافظ على مكتباتنا وأرشيفاتنا، وأن نعيد بناء ما فقدناه.

مداخلة د.مصطفى الحلوة

نائب رئيس الاتحاد الفلسفي العربي، ابن طرابلس، ومتعمق في إرثها الثقافي والتاريخي، الدكتور مصطفى الحلوة تناول في دراسة له "العلاقات التاريخيّة والفكريّة المشتركة بين طرابلس وجبل عامل"، وعرض لمحتوى الدراسة التي قال إنها تضمّنت الدراسة عدة عناوين:

مدخل: ثمّنتُُ فيه جهود  "الشبكة الوطنيّة لحماية المكتبات والارث الثقافي Tallid"، الرامية إلى إعادة ترميم وبناء المكتبات العامّة والخاصّة المتضرّرة، وحفظ الذاكرة الثقافية، في جنوب لبنان وجبل عامل، وكان تمهيدٌ للعناوين التي ستلي.

القسم الاول: في العلاقات التاريخيّة والوطنيّة المشتركة بين طرابلس وجبل عامل: كان استهلال حول دولة بني عمّار في طرابلس(1070_1109)، وهم من الشيعة الإماميّة، حيث غدت طرابلس درّة ثقافية في عصرهم، مع "دار العلم"، التي حوت مكتبة، ضمّت عشرات اَلاف الكتب والمخطوطات، التي تمّ حرقها، من قِبل الصليبيين، عند سقوط طرابلس بأيديهم.

ثمّ كان استعراض للأرضيّة النضاليّة المشتركة بين  طرابلس وجبل عامل،  أُخريات العهد العثماني، وفي ظلّ الانتداب الفرنسي، ممثّلة بالزعيم الطرابلسي عبد الحميد الكرامي، وبمؤتمر وادي الحُجير (1920)،  بزعامة جبل عامل الدينيّة والوطنيّة. وحيث كان إصرار على عدم الانضمام إلى الكيان اللبناني الجديد، بل البقاء مع سوريا.

القسم الثاني: العلاقات المشتركة بين طرابلس وجبل عامل، من باب الديموغرافيا والعائلات ذات الجذور الواحدة: استعرضنا في هذا القسم عائلاتٍ وذراريَ فقهيّة وعلميّة وتجاريّة من أصول واحدة، تتوزّع بين المنطقتين، راصدين حركة تنقّلها بين هاتين المنطقتين، مع تعليل الاسباب.

القسم الثالث: العلاقات الفكريّة والثقافيّة المشتركة والتبادليّة بين طرابلس وجبل عامل: توقفنا عند عنوانين:

الأول، التفاعل الطرابلسي العلمائي والأدبي، من على صفحات مجلة "العرفان" للشيخ أحمد عارف الزين (أنشاها 1909) بين طرابلس وجبل عامل. وذكرنا عيّنة من العلماء والأدباء الطرابلسيّين الذين كانوا يكتبون فيها.

الثاني، يوبيل بلبل سوريا الاديب والشاعر عبد الحميد الرافعي(1929)حيث شاركَتْ في الاحتفاء به وفود من لبنان والبلاد العربيّة، وكان في عِداد هذه الوفود وفد جبل عامل، من إمام النبطيّة الشيخ عبد  الحسين صادق (الجدّ)، والعلّامة الشيخ سليمان ظاهر العاملي، وألقيا قصيدتين طويلتين، أشادا فيها بالمكرّم وبطرابلس.

خاتمة: عودٌ على بدء..وتاريخ المغول يُعيدُ نفسه مع البرابرة الجُدُد! توقفتُ، بشكل موجز، عند حرق المكتبات، منذ "دار العلم"، في طرابلس، مرورًا بحرق "بيت الحكمة"، في بغداد على أيدي المغول، وصولًا إلى تدمير مكتبات جبل عامل على أيدي البرابرة الجُدُد.

مداخلة الشيخ علي الخازم

أعدّ الدكتور الشيخ علي الخازم بحثاً حول القرآن الكريم في الفضاء اللبناني: المصحف المخطوط شاهدًا على المشترك الثقافي والتاريخي، من طرابلس وجبل عامل إلى الحواضر اللبنانية. وفي
ملخص الدراسة إنها تنطلق من إشكالية الصمود التاريخي للمخطوط القرآني في جغرافية الجمهورية اللبنانية، مستهدفة فحص الشروط المادية لحفظه في ظل غياب وثائق وقفية مباشرة تؤرخ لحركة انتقال المصاحف بين قطبي الحواضر العلمية: طرابلس في الشمال وجبل عامل في الجنوب. 

وعوضاً عن التفتيش في الروابط التوثيقية الجافة، يعتمد البحث على استقرائنا الميداني في مركز صحف لحفظ التراث القرآني، وبناءً على الحصيلة المعرفية لكتابنا "المصاحف اللبنانية" وقراءتنا المقارنة لمدونات المؤرخ فيليب طرزي في خزائن الكتب في الخافقين؛ لننتقل بالمسألة إلى فحص "وحدة التجربة المادية والمصير التاريخي الوجداني" للنص الشريف داخل فضاء لبناني متكامل يضم البقاع وبيروت وجبل لبنان.

يتوزع هذا التقصي على جبهات بحثية أربع؛ نتحرى في أولاها عن الجذور الثغورية المبكرة المتمثلة في قرآن الأمير أماجور (القرن 3 هـ) والربط التاريخي بين أوقافه في صور وطرابلس، معززاً بما أثبته البروفيسور عمر تدمري من نماذج مملوكية شمالية. 

وننتقل في الجبهة الثانية إلى تشريح الخصائص الفنية الفريدة للمصاحف اللبنانية، لاسيما تقنيات الكتابة بالظفر، ونماذج الحروف المهملة، والنسخ على رق الغزال. 

بينما يعيد المحور الثالث قراءة حركية الأسر والمدارس العلمية الحاضنة لهذه النفائس، متتبعاً مسارات جغرافية الهجرة والتنوع اللغوي كالمصاحف المكتوبة بالكرشوني والتراث المحفوظ في الأديرة.

أما المحور الرابع والأخير، فيعالج تاريخ "الفقدان والرزايا" عبر خط زمني ممتد يثبت فكرة المصير المشترك للكتاب في لبنان؛ بدءاً من إحراق دار العلم بطرابلس وتدمير الجزار لمكتبة شقرا وعصف النيران بمخطوطات زحلة، مروراً باستهداف المكتبة الوطنية في حرب السنتين، وليس آخراً الفاجعة الثقافية المعاصرة المتمثلة في إحراق مكتبة الأب إبراهيم سروج في طرابلس سنة 2014م، وصولاً إلى ذروة التدمير الهائل والوحشي الذي يلحقه العدوان الإسرائيلي المستمر بالحواضر والمجموعات الخطية العائلية في الجنوب والبقاع.

تخلص الدراسة إلى أن "الفقدان والنجاة" صارا مشتركاً حضارياً عابراً للمناطق والطوائف؛ بحيث غدت أي نسخة مخطوطة باقية اليوم بمثابة "ناجٍ تاريخي" يشكل وثيقة هوية جامعة، اختُتم مسارها بالتحول التقني المحدود نحو المطابع المبكرة في قزحيا وبيروت، وهو ما نختمه بتوصيات إجرائية لإنقاذ ما تبقى من هذا التراث الروحي.

وكانت كلمات في مستهلّ اللقاء لمدير عام وزارة الثقافة الدكتور علي الصمد، ولرئيس الرابطة المستضيفة للقاء الدكتور رامز فري، وأدارت الندوة الدكتورة سوسن الأبطح، وختام اللقاء حوار مفتوح. 

الكلمات الدالة

معرض الصور