رحلة الحج افتقدتها القدس، وافتقدها العرب بصورة عامة، منذ أن وقعت تحت الاحتلال الاسرائيلي سنة 1967، في الحرب التي عرفت ب"النكسة" مسبوقة ب"النكبة”. لكن قبل النكسة، كان الناس يقصدون المدينة بصورة دائمة، وسهلة، إن لأداء فريضة الحج، وطقوسه، أم للسياحة الروحية.
منذ 1967، وحتى اليوم، مضى 54 عاما على إقفال باب الحج إلى القدس، وفي هذه المدة الزمنية الطويلة، استُنْزِف عدد الحجاج برحيل المتقدمين في العمر منهم، ومن بقي واستمر فقد حج إليها في طفولته، ويفاعته، ومطلع شبابه.
عكاريّون
الحاجة نجاح شلهوب الثمانينية، من بلدة رحبة العكاريّة أقاصي الشمال اللبناني، تذكر بحنان رحلتها مع أهلها للقدس في أول ستينات القرن الماضي. تتحدث شلهوب ل"ردبيس" عن القدس كأنها ساكنة فيها، حتى ما قبل الحج وما قبل النكبة، فأعمامها وأخوالها وأقرباء لها، رحلوا إلى القدس من زمن بعيد يعملون فيها بالحرف التي امتهنوها، وامضوا سنواتٍ طويلةً من أعمارهم فيها قبل عودتهم لقراهم اللبنانية.
توثق شلهوب في حديثها لمرحلة ما قبل التقسيم للمنطقة، وفرز أهلها بين لبناني وفلسطيني وسوري وأردني وعراقي. كانت البلاد متواصلة حتى في السنين الأولى للانتداب، وكان التواصل مستمرا بين سكان المشرق.
شلهوب (1942) كانت في النصف الثاني من عقدها الثاني عندما ذهبت في رحلة الحج للقدس مع أهلها بعدة سيارات خاصة صغيرة، وتذكر إنها عبرت البقاع، ولا تذكر غير ذلك، مما يعني أن الموكب عبر سوريا إلى الأردن، ففلسطين.
"مثل كل الحجاج، كان علينا البحث عن إقامة، فأقمنا عند "أبو عمران"، وكان المقدسيون يقدمون منازلهم للحجاج الوافدين، لقاء أجر زهيد، وكأن الإقامة مجرد استضافة"، تقول شلهوب، حيث نشأت بيننا في أسبوع من الإقامة، حالة أهلية عاطفية لا ننساها، ومن نتائجها أن زارنا أبو عمران وعائلته في سنوات لاحقة في بلدتنا رحبة".
في اليوم الأول، مطلع أسبوع القيامة مثل هذه الأيام، تجوّل زوار القدس في شوارعها وأحيائها، يتعرفون على دروبها الضيقة التي عايشوا مثيلا لها في طرابلس اللبنانية التي كانوا يزورون أحياءها القديمة، وتقول شلهوب أن الأحياء الضيقة والعتيقة كانت نظيفة، وشعرنا فيها بالخشوع، ورهبة إيمانية لا توصف.
في الأيام التالية، تجول الحجاج الرحبانيون في فلسطين متعرفين على أورشليم، ومناطق كثيرة من الأماكن المقدسة، وتتوقف شلهوب عند زيارة المسجد الأقصى الذي زرناه، واعتبرنا زيارته كحجنا لكنيسة القيامة التي تعرفنا عليها مراراً في رحلتنا قبل حلول سبت النور الذي فاض نور قبر المسيح منتصف الليل.
تتذكر شلهوب أنها وأهلها تعرفوا على مطران القدس آنذاك، وجلسوا إليه تكراراً يحدثهم عن المناسبة، وعندما حلت ساعة القيامة منتصف سبت النور، دخل المطران، ففاض النور، وملأ المكان، وراح المؤمنون يرددون معه: “قام المسيح من بين الأموات ووطيء الموت بالموت، ووهب الحياة للذي في القبور"، وهي العبارة التي تتردد في المناسبة كطقس من طقوس المسيحيين.
بعد مرور ما يناهز الاثنتين وستين سنة، لا تتذكر شلهوب الكثير، لكن وهج الإيمان الذي اكستبته في تلك الرحلة ما يزال في قلبها، وقلوب أهلها حيث "كنا نتأمل تكرار الزيارة، لكن للأسف لم تُتَح لنا الظروف"، تختم نجاح كلامها.
قبل رحيله سنة 2022، روى توفيق سعد، من مواليد 1943 من بينو العكارية مشواره إلى القدس. لم تكن زيارة الريفيين للقدس سهلة، وكانت متاحة للأثرياء خصوصا المغتربين. نظّم جيران توفيق رحلة للقدس بواسطة سيارة "تاكسي" صغيرة، وطلب منهم أن يأخذوه معهم. كان ما يزال يافعاً، يتذكّر الرحلة بضبابيّة، وكيف وصلوا إلى نهر الأردن بداية، ثم زاروا البحر الميت، لينتقلوا بعد ذلك إلى القدس حيث قاموا بجولة على كنائسها، ومساجدها، واسواقها العتيقة، كما زاروا كل الأمكنة المتعلقة بولادة السيد المسيح، والجبل الذي كان يقصده، وكنيسة القيامة.
ينتظر توفيق تحرير القدس من الاحتلال الاسرائيلي، ويعرب عن شغفه بزيارتها من جديد نظرا لما فيها من ذكريات محببة على قلبه.
طرابلسيون
في الميناء بطرابلس، ما يزال العديد من الحجاج أحياء، وبحال صحية جيدة رغم التقدم في العمر، فقد تغيرت معايير الشباب والشيخوخة. من هؤلاء نلتقي بكوستا أنطوني تورنيكي، لبناني، أصل الأجداد يوناني، مواليد 1946، كانت والدته تنظم رحلات الحج إلى القدس، مما أتاح له زيارتها أربع مرات بين 1963 و1966، حاملا كاميرته، فوثق القدس، وطقوس الحج، ولا يزال يحتفظ بها، ويتذكر كل صورة منها.
يقول كوستا أن والدته كانت تسجل الراغبين بالحج، وتتقاضى مبلغا ماليا على الرحلة التي تستمر لأسبوع، ناسيا المبلغ الذي تتطلبه زيارة الحج، ثم تحدد لهم يوم الانطلاق مبكرا، فيحضرون إلى نقطة الانطلاق، وتستغرق الرحلة نهارا كاملا، تقصد الأردن، دون حاجة لجواز مرور، بلوغا إلى القدس.
أول ما على الزائر القيام به، كان البحث عن مكان إقامة، ولما كانت الرحلات عائلية الطابع، فقد كان الزوار يبحثون عن بيوت إيجار أعدها المقدسيون، يستأجرونها لمدة إقامتهم لأسبوع، أو أقل، في الفترة التي تتكثف فيها طقوس الحج.
منظمو رحلات الحج يتقنون معرفة الأمكنة التي تتناولها رحلة الحج. لم يعد الحجاج يتذكرون تفاصيلها بدقة بعد خمسة عقود ونيف. يعصرون ذاكرتهم، ويتذكرون بعض التفاصيل بصعوبة، لكن كوستا الذي حج أربع مرات، يتذكر أكثر من سواه تفاصيل الحج.
يتذكر كوستا "القدس الجميلة جدا، والمدينة الكبيرة، فيها المقدسات من كنائس ومساجد جميلة، وهناك جبل الزيتون، والمكان الذي اختبأ فيه السيد المسيح، وزرنا بيت لحم حيث ولد السيد المسيح، وكنيسة القيامة التي تنتهي بها زيارة الحج، فبعد جولة طوال الأسبوع على مختلف الأماكن المقدسة، ننتظر يوم السبت لحضور قداس القيامة الليلي لمشاهدة فيض النور منتصف الليل".
لا تزال القدس في قلبه، يحبها كثيرا، فهي بالنسبة له، "تعني الكثير لي، فهي أرض مقدسة، فيها كل تراث المسيحيين، وذاكرتهم الإيمانية، والمسيحي الذي يزور القدس يصبح حجا، وهي أمنية كل مسيحي".
بشارة ميسي، من الميناء، مواليد 1946، أدى حجه للقدس. استجمع ما في ذكرته من الرحلة، والجولات التي قام بها إلى مختلف الأماكن المقدسة، منها كنيسة القيامة، وقبة الصخرة المتجاورتان، كما يذكر زيارة نهر الأردن حيث تعمد السيد المسيح، والبحر الميت، وقام بالغطس فيهما.
يعتبر ميسي القدس ضمير كل الناس، وهي مدينة جامعة، وكبيرة، وب"النسبة لنا، نحن المسيحيون، هي كل مقدساتنا، وإيماننا الروحي".
35 مشاهدة
23 سبتمبر, 2026
478 مشاهدة
30 مارس, 2024
375 مشاهدة
14 مارس, 2024