لا عجب إذا وصفت أيام شهر رمضان بالانقلاب الحياتي، فمنذ بدايته، يتحضر الناس للدخول في موجباته المتعددة، والبداية فيما يسمى الوداع للأيام العادية.
الوداع يبدأ بما يسمى "السيران"، حيث يقصد المؤمنون الحقول والبساتين، يمضون نهاراً من الرفاهية، والاسترخاء استعداداًللدخول بقساوة الصوم، بانتظار إعلان رؤية هلال رمضان عند الغروب، وإذا صدف ان لم يثبت بدء الشهر، أعادوا الكرّة فياليوم التالي.
في السابق، ما إن يُعلن عن ثبوت رؤية الهلال من المراجع الرسمية المختصة، حتى تُطلق 21 طلقة مدفعية خلبيّة،فيعرف الجميع أن الإمساك سيبدأ بعد سحور ذلك المساء.
لكن ساعةً واحدة قبل السحور، كان المدفع يطلق طلقة واحدة تنبيهاً للنيام بمعرفة دنوّ الإمساك، فيستيقظون لتناول حاجتهم، وبعدنحو ساعة، يقصف المدفع طلقة أخيرة إيذاناً ببدء ساعة الصوم.
تتكرر ضربات المدفع عند غروب ذلك اليوم بطلقتين إعلاناً بالفطور. وهكذا يستمرون كل أيام الشهر الفضيل، إلى أن يقترباليوم التاسع والعشرين أو الثلاثين، فينتظر الجميع إعلان نهاية الشهر عند التماس هلال الشهر التالي، فيطلق مدفعرمضان 21 طلقة، تأكيداً على انتهاء الصوم، والعودة إلى الحياة العادية.
قبل اعتماد المدفع للتنبيه على حلول الصوم، اعتمد المسلمون في طرابلس اللبنانية قبل انتشار المكبرات الكهربائية، علىطريقة خاصة بهم لإعلان بدء الصوم عند الغروب، وذلك بوقوف أحد المراقبين على سطح قلعة المدينة المرتفعة التيينكشف البحر أمامها، فعندما تغيب الشمس في الأفق، يعطى المراقب إشارة لشخص آخر ينتظره في نقطة مرتفعة منمئذنة الجامع المنصوري الكبير، وعند تلقف الإشارة من القلعة، أطلق الأذان معلناً الفطور، قتتلقف بقية المآذن الإشارة،وتطلق الأذان دون الحاجة لمكبرات الصوت.
ترافق رمضان مع ظاهرة أخرى تتعلّق بالسحور، وتنبيه الناس على الاستيقاظ بغية تناول آخر وجبة قبل بدء ساعة الصوم،وهي المًسَحِّر، شخص يجوب الليالي في الشوارع، حاملاً طبلته، وقنديل إضاءة، يدعو النيام للاستيقاظ: "يا نايم وحدالدايم"، و"قوموا على فطوركم، جايي النبي يزوركم".
صوت المسحّر يخرق صمت الليل الرهيب، وقنديله اعتاد كسر الليل المعتم يوم لم تكن هناك إنارة كهرباء، ويوم انقطع التيارلأسباب شتى، فيبعث الأنس في النفوس، خصوصاً لدى المرضى والمتألمين، فيطلب الناس منه تلاوة بعض آيات قرآنية، أواهازيج روحانية تدب الدفء الإيماني في نفوسهم، فتطمئن قلوبهم.
تطورت فكرة المسحر، أو المسحراتي، وباتت لها فرق متعددة عندما كبرت المدينة، ولم يعد مسحراتي واحد قادراً علىتغطية كل أحيائها قبل حلو السحور، وتقاسمت فرق التسحير الأحياء بانتظام، والتزم كل مسحراتي الشارع أو الأحياءالمخصصة له.
في الأيام العشرة الأخيرة من الشهر، تبدأ فرق المسحراتية التجوال على البيوت، وتتكوّن من عدة أشخاص، يقودهم شيخينظّم تجوالهم، فتقرع طبولها، وتتلو أهازيجها التقليدية على ابواب البيوت، فيفرح بها الاهالي، خصوصاً الصغار، ويخرجون منمنازلهم لاستضافة الفرق، وتقديم الحلوى لهم، وتطورت العطاءات حتى باتت مدخولاً مالياً يستحق الاهتمام، وعذابالتجواب طوال الشهر.
من أكثر ما ينتظره المؤمنون في شهر رمضان هي صلاة التراويح، وهي ليست فرضاً، لكن المؤمنين يحبونها، ويقصدونالمساجد عقب الانتهاء من الإفطار للمشاركة في التراويح، وبات التقليد احتفالية إيمانية تكتظ بها المساجد، وباحاتها،وبعدها ينطلق المؤمنون لممارسة سهراتهم، وحياتهم الليلية بصيغ اجتماعية متنوعة.
يجتمع الأصدقاء والأقرباء في بيوتهم، ويتنقلون من منزل لآخر بالتناوب، ويمضون سهرات جميلة ملؤها الدفء العاطفيالمفعم بحياة إيمانية تضفيها قيم الشهر الفضيل.
وفي الشوارع، خصوصاً عندما يحل رمضان في شهور الربيع والصيف، كثيراً ما يتجمّع الخلّان في الشوارع، والساحات،يشربون القهوة، والشاي، والزهورات المختلفة، واعتمدت بعض المقاهي للسهرات الرمضانية مثل مقاهي موسى في بابالرمل، ومقهى فهيم في ساحة التل، ومقهى التل العالي.
مشروبات ومأكولات
خصّص الناس لرمضان طقساً عند تناول الفطور، حيث يبدأ الإفطار بتناول ثلاث حبات تمر، ثم صحناً من سائل ساخن لتحضيرالمعدة بعد انقطاعها عن تلقف الطعام طوال النهار، ثم يأتي دور وجبة الإفطار العادية مما جرى تحضيره من طعام.
للفائف ورق العنب وقع رمضاني لدى العامة، وتكاد الوجبة لا تغيب عن المائدة، كما يتجمّع عليها الأصحاب والجيران، فتشكلالوجبة عامل جمع احتفالي من المعالم التي أدخلها المؤمنون على العادات الرمضانية.
ولا تزال السكبة دارجة في العديد من المناطق والأحياء، وهي تبادل صحون الأطعمة بين البيوت، ومن بعض البيوت إلىبعضها الآخر عند وجود حاجة لدى عائلات متواضعة الحال كعمل خير رمضاني.
ويعتمد الناس على مشروبات معينة مخصصة لرمضان منها "السوس"، والخرنوب الطيب المذاق، مع سعرات حرارية حلوةعالية تعويضاً على نقص النهار.
من المشروبات أيضاً، عصائر الفاكهة المختلفة مثل التوت، والتمر الهندي، والليمون، والليموناضة التي اشتهرت طرابلسبحامضها، والجلاب، وعصير الجزر، والتفاح، ويشاهد مئات الباعة يعرضون قنانينها بألوان مختلفة، وأكياسها النايلون فيالشوارع العامة.
الحلويات الرمضانية مشهورة في طرابلس، أبرزها الكربوج، والكلاج، وورد الشام، وهي حلويات اعتمدها بعض القدماء، وبينماانطلقت من أحياء المدينة القديمة، حيث أمكن رصد أقدمها في طريق ضيّق يعرف بالرمانة متفرع من سوق النحاسين، حيثيقوم محل تصنيعها لدى أبو كنعان شرف الدين، الذي يناهز المائة من العمر، وقد أورث الحرفة لأبنائه، يتقنونها بفن وتركيبةطيبة وبأسعار مقبولة، ومن هناك انطلقت إلى بقية الحلونجية في أنحاء مختلفة من المدينة.
أما الكربوج، فهو الماركة المخصصة لرمضان، وهو معمول ممدود من الجوز أو الفستق الحلبي، مغطىً بمادة تسمى"الناطف" أساسها شلش الحلاوة، وتحتاج صناعتها لخبرة ومعرفة، والناطف معجونة مثل "الكريمة" بيضاء، رقيقة، شديدةالحلاوة، تزود الانسان بطاقة وحيوية يفتقدها بسبب الانقطاع عن الطعام، ولذلك لا تُصَنّع إلا في رمضان.
يضاف إلى هذه الأصناف، الحلويات الطرابلسية التقليدية كالبقلاوة، وحلاوة الجبن، والهيطلية، وقد اشتهرت بها عدة عائلاتطرابلسية بالأخص الحلاب، والعرجة، والتوم، والبساط وحداد، وسواها.
35 مشاهدة
23 سبتمبر, 2026
478 مشاهدة
30 مارس, 2024
376 مشاهدة
14 مارس, 2024